إفريقيا تغني بقلب واحد في موازين
الرباط ـ لم تكن ضفاف نهر أبي رقراق وأروقة المسرح الوطني محمد الخامس مجرد فضاءات لاستقبال الجمهور خلال الدورة الحادية والعشرين لمهرجان موازين ـ إيقاعات العالم، بل تحولت إلى ملتقى حقيقي لأصوات إفريقيا المتعددة، إذ أسدل الفنانون القادمون من غانا وغينيا وتوغو والرأس الأخضر وأنغولا جدارَ المسافات، وجعلوا من الرباط عاصمةً مؤقتة للقارة السمراء بكل تنوعها وعمقها الثقافي.
وافتتح النجم الغاني ستونبوي هذه السلسلة الإفريقية المتألقة بأمسية جمعت المتناقضات في وئام لافت؛ إذ دخل المسرح محمولا بقرع طبول 'الدقة المراكشية'، فيما رفعت شابات علمي المغرب وغانا جنبا إلى جنب، في إشارة بليغة عن الرابط الذي يجمع الفنان بالمملكة.
وعبر مزيج أُحكمت فيه إيقاعات 'الأفروبيت' (الموسيقى الحضرية الإفريقية المعاصرة) و'الريغي' (الموسيقى الجامايكية ذات الطابع الروحي) و'الهاي لايف' (الموسيقى الراقصة الغرب إفريقية)، حوّل الفائز بجائزة 'بت' المرموقة حفله إلى منصة لنشر قيم السلام والوحدة، فيما ردد الجمهور أناشيده التي تحتفي بأن روابط القلب أمتن في الغالب من روابط الدم.
في الليلة التالية، أطلت الفرقة التوغولية 'ذي أنسستر' (الأسلاف) بعرض جمعت فيه خمسة عشر موسيقياً أسهموا في بلورة تجربة فنية نادرة، ولدت في تقاطع مسارات توغو وفرنسا وجامايكا.
وبفضل ما أسمته الفرقة 'إيقاع الأسلاف'، وهو مزيج يجمع الطبول التقليدية والأهازيج الطقوسية والنغمات المعاصرة، أثبتت أن الحداثة الإفريقية لا تتناقض مع جذورها بل تستمد منها قوتها.
وقاد الفرقة أمين جاه لوف بكاريزما استثنائية، حين دعا الجمهور إلى ترديد لازمات مشبعة بالأمل والصمود في أداء كورالي جماعي، محوّلا الساحة إلى فضاء للتآلف الإنساني حيث تلاقى العلمان المغربي والتوغولي في المشهد نفسه.
على وقع مختلف، رسمت مطربة الرأس الأخضر 'زولو'، واسمها الحقيقي زوليكا باروس، أمسيتها في الموقع الأثري لشالة بألوان الهوية الكابفردية وعطر الذاكرة الجماعية.
وعبر إيقاعات 'المورنا' (موسيقى الحنين والشوق)، و'الفونانا' (الموسيقى الراقصة ذات الطابع الاحتفالي)، و'الكولاديرا' (الغناء الشعبي الخفيف)، و'الباتوكي'(الموسيقى الطقوسية الراقصة)، اصطحبت جمهورها في رحلة إلى أعماق وجدان أرخبيلها.
وتوّجت الأمسية بتحية تكريمية أدّتها للأسطورة سيزاريا إيفورا، الملقّبة بـ'الديفا حافية القدمين'، مغنيةً لها 'بلدي الصغير، أحبك كثيرا'، في لحظة فاضت بالعاطفة والوفاء.
ومن أكثر مشاهد الأمسية إنسانيةً تلك التي صعد فيها طفل إلى الخشبة بشكل عفوي، فاحتضنته زولو وواصلت أداءها، في صورة جسّدت وحدها قدرتها على إقامة رابط صادق مع الجمهور.
على مسرح أبي رقراق، شكّلت الفنانة الأنغولية بونغو، واسمها الحقيقي إنغراسيا دومينغوس دا سيلفا، أيقونة 'الكودورو' (الموسيقى الإلكترونية الأنغولية ذات الإيقاع السريع)، ظاهرة بصرية وصوتية بحد ذاتها. ففي بزي يلمع بألوانه الزاهية، أعلنت حفلها 'احتفالا مطلقا بالحرية من خلال الحركة'، ودفعت الجمهور إلى الرقص الجماعي عبر إيقاعاتها الأفرو-إلكترونية المتفجرة.
وبإسناد فرقة إيقاعية مزجت بجرأة بين الطبول التقليدية والبرمجة الإلكترونية، هيمنت على المسرح بسلسلة من الرقصات الرياضية وحوّلت ضفاف النهر إلى ساحة للبهجة الخالصة.
وتوجت الفنانة الغينية دجيليكابا بينتو، الملقبة بـ'الزعيمة'، هذا المشهد الإفريقي الزاخر بأمسية احتفت بالوحدة والأخوة الإفريقية.
وفي لحظة بلغت فيها الأمسية ذروتها العاطفية، توقف العازفون ليمنح الصمتُ الكلامَ صدىً أعمق، فأعربت الفنانة عن امتنانها بالغناء على أحد أعرق مسارح إفريقيا، ثم أطلقت جملتها الشهيرة وسط تصفيق حار،"المغرب بيتنا جميعا"، وهي الجملة التي لخّصت في كلمات قليلة روح المهرجان ورسالته.
وبين هذه الأصوات الخمسة المتباينة في الأسلوب والمتجانسة في الروح، يبدو مهرجان موازين وفياً لرهانه الأصيل: أن تُشكّل الرباط مرآةً تعكس تنوع العالم، وأن تُجيب الموسيقى عن أسئلة التقارب التي تعجز عنها السياسة.