إيران الغارقة في العقوبات تعد لبنان بدعم اقتصاده

نشطاء لبنانيون يردون على تصريحات علي لاريجاني بمطالبة بلاده رفع يدها عن لبنان ليستعيد استقلالية قراراته والنأي به عن سياسات النظام الإيراني.


إيران الغارقة في أزمة اقتصادية مستعدة لمساعدة لبنان


زيارة لاريجاني لسوريا ثم لبنان تعجل فشل حكومة دياب


رفض لبناني لتنصيب حزب الله تمثال سليماني في الجنوب

بيروت - أبدى رئيس مجلس الشورى الإيراني علي لاريجاني في بيروت الإثنين استعداد بلاده لمساعدة لبنان بمواجهة انهيار اقتصادي هو الأسوأ منذ عقود على وقع أزمة سيولة حادة، في وقت فشلت فيه طهران في انقاذ اقتصادها المنهار بسبب العقوبات الأميركية.

وتمنى لاريجاني خلال لقائه رئيس الجمهورية ميشال عون، وفق ما نقلت الوكالة الوطنية للاعلام الرسمية في لبنان، للحكومة الجديدة "التوفيق والنجاح في تعزيز الاستقرار والأمن في البلاد"، معرباً عن استعداد إيران "للمساعدة على تحسين الأوضاع الاقتصادية في لبنان".

ونقل مكتب عون عن لاريجاني قوله خلال لقائهما "نتمنى للحكومة الجديدة التوفيق والنجاح ومستعدون للمساعدة على تحسين الأوضاع الاقتصادية".

وأثارت تصريحات لاريجاني سخرية اللبنانيين على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث ذكّر نشطاء المسؤول الإيراني باقتصاد بلاده الذي يرزخ تحت وطأة العقوبات الأميركية منذ أشهر.

وتشهد إيران التي تمول حزب الله، اللاعب الرئيسي على الساحة اللبنانية، وتمدّه بالمال والسلاح، غليان شعبي يعبر عنه الإيرانييون بالخروج إلى الشوارع للتظاهر لكن السلطات تتعامل مع تلك الاحتجاجات بالقوة.

ويشعر كثير من الإيرانيين بالغضب إزاء التعامل القمعي مع احتجاجات تفجرت في نوفمبر/تشرين الثاني على ارتفاع أسعار الوقود التي تحولت سريعا إلى احتجاجات سياسية تطالب "بتغيير النظام" مما أثار أكثر الاضطرابات دموية في تاريخ الجمهورية الإسلامية.

وسلم لاريجاني الذي وصل مساء الأحد إلى بيروت في زيارة تستمر يومين، قادما من دمشق حيث التقى الرئيس بشار الأسد، عون رسالة من نظيره حسن روحاني تضمنت تجديد دعوته لزيارة طهران. 

وبعد لقائه مع الرئيس اللبناني توجه لاريجاني إلى عين التينة في بيروت حيث التقى رئيس مجلس النواب نبيه بري.

وقالت مصادر صحفية محلية إن بري أكد أمام لاريجاني أن "في الوحدة قوة، وهذا هو المطلوب من اللبنانيين في هذه المرحلة، الوحدة ثم الوحدة".

وأفادت تقارير إخبارية بأن علي لاريجاني سيلتقي لاحقا بمسؤولين لبنانيين آخرين من بينهم حسان دياب رئيس الحكومة الجديدة، وحسن نصر الله أمين عام حزب الله الذي تدعمه إيران، بعد أن التقى أيضا عدد من الفصائل الفلسطينية في وقت سابق.

ويتوجس الشارع اللبناني من أن تكون زيارة رئيس مجلس الشورى الإيراني إلى البلاد عنوان مواجهة بين إيران والولايات المتحدة سيدفع ثمنها اللبنانيين.

ورغم أن الدولة اللبنانية لم تعلن عن هذا زيارة إلا أن السفارة الإيرانية في لبنان تولت مهمة الكشف عن إنها جاءت بدعوة رسمية.

وقال مصدر في السفارة الإيرانية ببيروت لوكالة "سبوتنيك" الروسية إن زيارة الوفد البرلماني الإيراني تأتي بدعوة رسمية من رئيس مجلس النواب نبيه بري للبحث في "مسائل برلمانية".

وأوضحت السفارة الإيرانية في بيان إن "لاريجاني يرافقه وفد يضم عددا من الشخصيات البرلمانية والسياسية سيلتقي معهم كبار المسؤولين اللبنانيين".

س
إيران ستحرر القدس بتمثال سليماني

وتشير زيارة لاريجاني إلى سوريا ثم لبنان إلى أن طهران بدأت تخطو خطوات جديدة في سياساتها الخارجية عبر تحويل وجهة تدخلاتها في البلدان العربية من السر إلى العلن بعد مقتل قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني في غارة أميركية في بغداد الشهر الماضي، حيث يبدو أنها أوكلت مهمته في قيادة ميليشيات وكلائها إلى المسؤولين الرسميين في الجمهورية الإسلامية.

وكان لاريجاني لدى وصوله إلى مطار رفيق الحريري في بيروت قد قال للصحفيين إن "الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تسعى دوما، إلى أن ترى لبنان الشقيق بلدًا حرًا سيدًا مستقلاً"، مشيرا إلى أنه "بلد مؤثر في منطقة الشرق الأوسط".

ولم يخفي البنانيون رفضهم لزيارة لاريجاني حيث انتقد نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي تحركات المسؤولين الإيرانيين وتركيزهم على لبنان الذي يعاني من أزمة اقتصادية وسياسية شلت البلاد منذ أكتوبر الماضي، وكانت  تدخلات إيران في شؤون لبنان عبر أنشطة حزب الله الموالي لها من أهم الأسباب التي دعت اللبنايين للخروج إلى الشوارع والاحتجاج ضد الطبقة السياسية التي يتهمونها بالفساد وخدمة مصالحها الضيقة على حساب المواطنين.

ورد نشطاء على تصريحات لاريجاني بمطالبة بلاده "الكف عن التدخل في شؤون لبنان ليستعيد استقلال قراراته" على حد تعبيرهم.

ويشهد لبنان أزمة سياسية حادة خرج على إثرها اللبنانيون للاحتجاج في الشارع منذ 17 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، أدت إلى استقالة حكومة سعد الحريري، ثم تمكن حزب الله من فرض حسان دياب لتشكيل حكومة جديدة بعد ثلاثة أشهر من تواصل المظاهرات، لكن الشارع لايزال يرفضها بسبب هيمنة واضحة للحزب المسلح الموالي لإيران عليها.

وتأتي زيارة الوفد الإيراني إلى لبنان بعد أقل من أسبوع من موافقة البرلمان اللبناني على الحكومة التي قدمها حسان دياب رغم رفض الشارع لها. وهي رسالة تريد طهران إيصالها إلى القوى الدولية والإقليمية وعلى رأسها الولايات المتحدة مفادها أن لبنان أصبح مركز ما تطلق عليه اسم "محور المقاومة".

 وقبل وصوله بيروت أكد لاريجاني من دمشق أن "سوريا تمثل إحدى الدول المهمة في محور المقاومة".

يذكر أن إيران التي حاولت عبر ميليشياتها قمع الاحتجاجات اللبنانية والعراقية منذ أشهر، كانت سببا رئيسيا في بقاء بشار الأسد على رأس السلطة في سوريا التي أرسلت لها ميليشياتها لمساعدته في إخماد المظاهرات الشعبية التي شهرتها البلاد في 2011.  

ووجدت إيران نفسها في مأزق حقيقي منذ يناير الماضي بعد مقتل سليماني الذي كان مهندس تحركاتها في المنطقة والذي خصص له حزب الله تمثالا خاصا بمناسبة أربعينيته في مارون الراس على الحدود اللبنانية الفلسطينية.

وأثار التمثال جدلا بين اللبنانيين الذين رفضوا تحويل بلدهم إلى مقاطعة تابعة لإيران. وتساءلت الإعلامية اللبنانية مي شدياق على تويتر "نحن في لبنان أم إيران؟ بعد جادة الإمام الخميني على طريق المطار، حزب الله يحتفل بإزالة الستارة عن نصب لقاسم سليماني في الجنوب! لماذا الإصرار على تغيير هوية لبنان وإدخاله في صراع المحاور! أين النأي بالنفس؟ كل يوم يؤكد الحزب أنه فرع للحرس الثوري الإيراني ووليه الفقيه وليس لبنانيا!".

وتناقل اللبنانيون على مواقع التواصل مقطع فيديو يُظهر إزاحة عناصر من حزب الله الستار عن تمثال سليماني وهو يشير بإصبعه نحو فلسطين وخلفه يرفرف العلم الفلسطيني.

وانتقد نشطاء محاولة حزب الله التعتيم على جرائم سليماني في سوريا والعراق وتوريط لبنان أكثر في خط المواجهة بين واشنطن وطهران، كما انتقدوا مواصلة الحزب الشيعي استغلاله للقضية الفلسطينية لتبرير ترسانته من أسلحة إيران التي أصبحت تمثل خطرا على اللبنانيين. وعلّق مغرد ساخرا "لقد تحررت فلسطين من قوة التمثال".

وأمس الأحد، دعا نصر الله إلى دعم حكومة دياب التي وجدت نفسها في مأزق لعدم قدرتها على إقناع القوى الدولية والإقليمية بخطة إصلاحية للحصول على الدعم المالي الذي يحتاجه لبنان بشدة لتخطي الأزمة الاقتصادية التي تهدده بالإفلاس.

وقال نصر الله إن دعم الحكومة الجديدة "واجب وطني. هذه ليست مسألة حزبية. إذا فشلت هذه الحكومة فإنه ليس معلوما أن يبقى بلد ليأتي أحد ما على حصان أبيض ويشكل حكومة جديدة. بأي بلد نريد أن نعمل حكومة جديدة".

وأضاف "مسؤولية الجميع أن يساعدوا هذه الحكومة وفي الحد الأدنى أن يسمحوا لها أن تعمل. إذا كانوا لا يريدون مساعدتها عليهم أن لا يحاربوها وأن لا يقطعوا الطريق عليها. ما يحرضوا عليها في الدول العربية ودول العالم".

ويبحث لبنان حاليا عن دعم مالي من الدول العربية وخاصة دول الخليج التي يبدو أنه ليست متحمسة لإقراض حكومة بقيادة حزب الله الذي يمثل تهديدا لأمن المنطقة كلها، فضلا عن التوتر بين طهران وواشنطن التي قالت أنها لن تدعم الحكومة الجديدة قبل أن يثبت دياب استقلالية قراراته.

ولا يستبعد مراقبون أن تكون واشنطن قد جهزت عقوبات قاسية للبنان أهمها وقف المساعدات لمؤسساته الأمنية، إذا ثبتت التقارير التي تحدثت عن تسلم نصرالله قيادة تدخلات إيران في المنطقة خلَفا لسليماني، وتجهيزه جبهة موحدة مع الميليشيات العراقية لمواجهة الولايات المتحدة.

وطلب لبنان الأسبوع الماضي رسميا مساعدة فنية من صندوق النقد الدولي لدعم اقتصاده. وقالت كريستينا جورجيفا المدير التنفيذي لصندوق النقد الدولي في دبي إن "لبنان بحاجة إلى إصلاحات بنيوية عاجلة وعميقة للغاية".

وأضافت "سنرسل فريقا صغيرا إلى لبنان... سنبذل قصارى جهدنا لتقديم توصية تشخيصية بشأن الإجراءات التي يجب اتخاذها ولكن اتخاذ الإجراءات بيد اللبنانيين".
ومنذ وبلغت الأزمة المالية، وهي الأسوأ من كل ما عرفه لبنان خلال سنوات الحرب الأهلية بين 1975 و1990، ذروتها العام الماضي بعد أن أدى تباطؤ تدفقات رؤوس الأموال إلى أزمة سيولة بينما اندلعت مظاهرات ضد النخب الحاكمة الذين يتهمهم الشارع اللبناني بالفساد.

وتسببت الأزمة بنقص حاد في الدولار مما أدى إلى تداعي الثقة في البنوك، التي فرضت قيودا صارمة على حركة رؤوس الأموال، فضلا عن استمرار ضعف الليرة اللبنانية وارتفاع الأسعار وتفاقم البطالة بعد أن تخلت العديد من الشركات عن موظفيها أو أصبحت تدفع نصف راتب للموظف.