إيران تدافع عن المالكي في مواجهة الرفض الأميركي

جهات إيرانية حاولت تصوير الاعتراض الأميركي على نوري المالكي باعتباره اعتداءً على 'السيادة العراقية'، متجاهلة سجلًا طويلًا من التدخل الإيراني المباشر في الشأن العراقي.
قلق إيراني من احتمال فقدان إحدى أهم أوراق النفوذ داخل العراق
تولي المالكي رئاسة الحكومة يدعم ايران في مواجهة أي هجوم اميركي

طهران/بغداد - في خضم تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران، عاد العراق مجددًا إلى واجهة الصراع غير المباشر بين القوتين، وسط مؤشرات على محاولة إيرانية حثيثة لإعادة ترتيب المشهد السياسي العراقي بما يضمن مصالحها الاستراتيجية، وعلى رأسها الدفع باتجاه عودة القيادي في الاطار التنسيقي ورئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي إلى رئاسة الحكومة، باعتباره خيارًا أقل كلفة على طهران في مرحلة تتزايد فيها التهديدات الأميركية باستهدافها عسكريًا.
ولم يأت الهجوم الإعلامي الذي شنّته صحيفة طهران تايمز المقربة من دوائر الحكم في إيران على الموقف الأميركي الرافض لتولي المالكي رئاسة الوزراء، من فراغ، بل يعكس قلقًا إيرانيًا واضحًا من احتمال فقدان إحدى أهم أوراق النفوذ داخل العراق. فالصحيفة حاولت تصوير الاعتراض الأميركي على المالكي باعتباره اعتداءً على "السيادة العراقية"، متجاهلة في الوقت نفسه سجلًا طويلًا من التدخل الإيراني المباشر في الشأن العراقي، سياسيًا وأمنيًا وعسكريًا.
ويتناقض هذا الخطاب، الذي يتحدث عن حماية القرار الوطني العراقي، مع واقع النفوذ الإيراني المتجذر منذ سنوات عبر دعم قوى سياسية بعينها، ورعاية تشكيلات مسلحة تدين بالولاء لطهران أكثر من ولائها للدولة العراقية. ومن هنا، يبدو الحديث الإيراني عن السيادة أقرب إلى أداة سياسية تُستخدم عند الحاجة، لا مبدأً ثابتًا في التعامل مع العراق.
وترى طهران في حليفها شخصية قادرة على إعادة إنتاج نموذج الحكم الذي يضمن بقاء قنوات التأثير مفتوحة، خصوصًا في ظل ظرف إقليمي بالغ التعقيد. فمع تصاعد الضغوط الأميركية وعودة الحديث عن خيار المواجهة العسكرية مع إيران، تسعى الأخيرة إلى تحصين جبهتها الغربية عبر حكومة عراقية أقرب إلى رؤيتها وأقل انسجامًا مع السياسات الأميركية.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل الدفاع الإعلامي الإيراني المستميت عن المالكي عن المخاوف من أن يؤدي رفضه أميركيًا إلى صعود شخصية أكثر استقلالية أو أقل استعدادًا للتماهي مع المصالح الإيرانية. لذلك، يجري تصوير المالكي كرمز لـ“القرار الوطني” وكمستهدف دائم من واشنطن وتل أبيب، في محاولة لإعادة تعبئة الشارع والقوى السياسية الشيعية خلفه.
اللافت أن الخطاب الإيراني يتجاهل عمدًا حقيقة أن العراق تحول، بفعل الصراع الأميركي–الإيراني، إلى ساحة تصفية حسابات مفتوحة، وأن الإصرار على فرض أسماء مثيرة للانقسام لا يسهم في استقرار البلاد بقدر ما يعمّق هشاشتها. كما أن تصوير أي تحفظ دولي على شخصيات سياسية بعينها كاستهداف للسيادة، يهدف إلى حجب النقاش الحقيقي حول فشل الطبقة السياسية في بناء دولة مستقلة القرار.
وفي المقابل، تدرك واشنطن أن عودة المالكي قد تعني تعزيز نفوذ طهران داخل مؤسسات الحكم، في وقت تحاول فيه الولايات المتحدة تضييق الخناق على إيران إقليميًا. ومن هنا، يبدو الرفض الأميركي جزءًا من صراع أوسع على شكل النظام السياسي العراقي واتجاهاته المستقبلية، لا دفاعًا مجردًا عن السيادة كما تروّج طهران.
وتزداد خطورة هذا الصراع مع تصاعد الحديث عن سيناريوهات مواجهة مفتوحة بين الولايات المتحدة وإيران، حيث يُخشى أن يتحول العراق مرة أخرى إلى ساحة اشتباك بالوكالة، سواء عبر الضغط السياسي أو التصعيد الأمني. وفي مثل هذا المناخ، يصبح الصراع على رئاسة الحكومة أكثر من مجرد استحقاق داخلي، بل حلقة في سلسلة صراع إقليمي أشمل.
وفي المحصلة، يعكس اندفاع طهران للدفاع عن المالكي حجم الرهان الإيراني على العراق كخط دفاع سياسي وأمني في مواجهة واشنطن. غير أن هذا الرهان، القائم على إعادة تدوير شخصيات جدلية وتغليف التدخل الخارجي بشعارات السيادة، يضع العراق مجددًا أمام معادلة صعبة: إما أن يكون دولة ذات قرار مستقل، أو ساحة نفوذ تتقاسمها العواصم المتصارعة.