إيران تلغم مسار المفاوضات النووية بشروط مسبقة
طهران – أبدت إيران استعدادها للعودة إلى طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن برنامجها النووي، لكنها أكدت في الوقت ذاته أن برنامجها الصاروخي "خارج دائرة النقاش"، في موقف يعكس انفتاحًا مشروطًا على المسار الدبلوماسي، وسط تصاعد التوتر الإقليمي والدولي.
وجاء هذا الموقف على لسان أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، الذي قال في منشور على منصة "إكس" (تويتر سابقًا)، الثلاثاء، إن "باب التفاوض مع واشنطن لا يزال مفتوحًا"، لكنه اتهم الأمريكيين بـ"الاكتفاء بالتصريحات وعدم الجدية في العودة إلى طاولة الحوار"، مضيفا "الإدارة الأميركية تُروّج لادعاءات كاذبة بأن طهران ترفض التفاوض، بينما هي في الواقع من تعرقل أي حوار جاد".
وشدد لاريجاني على أن أي محاولة لفرض قيود على القدرات الصاروخية الإيرانية تُعد "طلبًا غير واقعي"، من شأنه أن "يغلق طريق التفاوض قبل أن يبدأ"، معتبرًا أن هذا النوع من الشروط المسبقة يُقوّض فرص الحلول الدبلوماسية.
وتأتي تصريحات لاريجاني في ظل توتر متزايد بين طهران والعواصم الأوروبية الثلاث المعنية بالاتفاق النووي (فرنسا، بريطانيا، ألمانيا)، والتي أعلنت مؤخرًا تفعيل "آلية الزناد"، في خطوة تمهد لإعادة فرض العقوبات الأممية على إيران، قبل انقضاء المهلة القانونية لذلك في أكتوبر/تشرين الأول المقبل.
ورغم أن واشنطن رحّبت بحذر بالخطوة الأوروبية، إلا أنها أعادت التأكيد على رغبتها في استئناف المحادثات مع إيران، ما يعكس استمرار تمسك الإدارة الأميركية بخيار الدبلوماسية، رغم الضغوط السياسية والعسكرية المتصاعدة.
ويأتي هذا الحراك السياسي على خلفية تجميد المفاوضات النووية منذ يونيو/حزيران الماضي، عقب تصعيد عسكري تمثل في هجوم إسرائيلي استهدف منشآت نووية إيرانية، بمشاركة أميركية في بعض الضربات المحدودة. وقد أعاد ذلك التصعيد الحديث عن احتمالات المواجهة المفتوحة، وأدى إلى تعطيل الجهود الرامية لإحياء اتفاق 2015، الذي انسحبت منه واشنطن في الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب، وأعادت بعده فرض عقوبات اقتصادية قاسية على إيران.
وردًا على هذه العقوبات، بدأت طهران منذ ذلك الحين بتقليص التزاماتها النووية تدريجيًا، خصوصًا في ما يتعلق بمستويات تخصيب اليورانيوم وزيادة قدراتها التقنية، ما زاد من تعقيد الموقف التفاوضي.
ورغم الضغوط الغربية، تؤكد إيران أن برنامجها النووي لأغراض مدنية وسلمية، وأن أنشطتها تجري في إطار الاتفاقات الموقعة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. في المقابل، ترفض إيران رفضا قاطعا إدراج برنامجها الصاروخي في أي حوار، مؤكدة أن هذا الملف مرتبط بأمنها القومي ولا يشمله اتفاق 2015.
ويشكّل هذا الملف أحد أبرز نقاط الخلاف بين إيران والدول الغربية، التي تعتبر أن تطور الترسانة الصاروخية الإيرانية يمثل تهديدًا لأمن المنطقة، خاصة في ظل الاتهامات المستمرة لطهران بدعم حلفائها الإقليميين، مثل حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن، بصواريخ وتقنيات عسكرية متقدمة.
وتعكس تصريحات لاريجاني رغبة إيرانية في إظهار المرونة السياسية دون تقديم تنازلات أمنية، وتدل على أن طهران تسعى إلى إعادة ضبط قواعد الاشتباك التفاوضي، من خلال طرح استعدادها للحوار مقابل فرض "خطوط حمراء" واضحة، أبرزها استبعاد القدرات الصاروخية من أي نقاش.
وفي ظل اقتراب الموعد الحاسم لإمكانية إعادة العقوبات، وتزايد الضغوط الأوروبية، يبقى مستقبل الاتفاق النووي معلقًا على قدرة الطرفين، ولا سيما طهران وواشنطن، على تجاوز الشروط المسبقة، والعودة إلى طاولة المفاوضات بتصورات تراعي التوازنات الإقليمية والأمنية وتضمن في الوقت ذاته المصالح الاستراتيجية لكل طرف.