اتهامات إسرائيلية للقاهرة بـ'تفكيك صامت' للملحق الأمني لمعاهدة السلام
القدس - أطلقت الأوساط الإسرائيلية، لا سيما الأمنية والدبلوماسية، تحذيرات متصاعدة بشأن ما وصفته بمحاولات مصر "إعادة رسم الواقع العسكري" في شبه جزيرة سيناء، بما يتجاوز ما نص عليه الملحق الأمني لاتفاقية السلام الموقعة بين البلدين عام 1979. هذا التحول في الموقف المصري، بحسب مراقبين إسرائيليين، يُنظر إليه في تل أبيب بوصفه تهديدًا هيكليًا للتوازن الأمني القائم منذ أكثر من أربعة عقود.
وأبرز ما أثار الجدل مؤخرًا، وفق ما نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية، هو التوسع الملحوظ في الانتشار العسكري المصري داخل سيناء، لا سيما في المناطق التي يُفترض أن تكون خاضعة لقيود مشددة على التسلح، استنادًا إلى الملحق العسكري للاتفاقية. وتؤكد مصادر أمنية إسرائيلية أن القاهرة بدأت، بشكل متزايد، فرض واقع ميداني جديد دون الرجوع إلى القنوات التنسيقية الرسمية، في سابقة تُعتبر الأولى منذ توقيع اتفاق السلام عام 1979.
في هذا السياق، نقلت الصحيفة عن السفير الإسرائيلي السابق لدى القاهرة، ديفيد غوفرين، مخاوفه من أن ما يحدث هو "تفكيك صامت" للقيود المفروضة على النشاط العسكري المصري في سيناء. ولفت إلى أن الملحق الأمني، الذي نتج عن مفاوضات كامب ديفيد، قسم سيناء إلى ثلاث مناطق (أ، ب، ج)، تُفرض فيها قيود صارمة على حجم ونوع القوات المصرية، في مقابل وجود عسكري إسرائيلي محدود في منطقة صغيرة تُعرف بـ(د).
وبحسب غوفرين، فإن القاهرة لطالما اعتبرت تلك البنود "انتقاصًا من السيادة الوطنية"، وسعت منذ عقود إلى تعديلها أو تجاوزها فعليًا عبر الميدان، لا من خلال القنوات القانونية أو الدبلوماسية.
وترى تل أبيب أن الحرب المصرية ضد الجماعات المسلحة في شمال سيناء كانت، في ظاهرها، مبررًا منطقيًا لتعزيز القوات العسكرية، وهو ما تم بالفعل بموافقة إسرائيلية أميركية مشتركة في عدة مناسبات. لكن، بحسب غوفرين، فإن ما يحدث الآن يتجاوز مجرد التصدي للتهديدات الإرهابية، ويمضي نحو إعادة تشكيل الترتيبات الأمنية بالكامل، بما يُنذر بإعادة النظر في روح الاتفاق نفسه.
وقد عبّرت دوائر صنع القرار في إسرائيل عن قلقها من أن هذا "الزحف التدريجي" قد يصبح سابقة دائمة يصعب التراجع عنها، خاصة إذا ما ترافقت مع تغيّرات إقليمية أو داخلية تضغط على الطرف المصري لتعزيز السيطرة الكاملة على كامل أراضيه دون اعتبار للاتفاقات الدولية.
واحدة من الإشارات التي أثارت قلقًا في إسرائيل، وفق تحليل الصحيفة، هي تكرار استخدام مصطلح "السيادة المنقوصة" في وسائل الإعلام المصرية خلال السنوات الأخيرة، عند الحديث عن ترتيبات معاهدة السلام. ووفقًا لغوفرين، يعكس هذا المصطلح شعورًا مستقرًا داخل المؤسسة الرسمية المصرية بأن الاتفاقية، وبخاصة ملحقها الأمني، تُقيّد حرية الدولة في التعامل مع أراضيها.
بموازاة ذلك، أشار التقرير الإسرائيلي إلى أن التصعيد في قطاع غزة ألقى بظلال ثقيلة على العلاقات مع القاهرة. ففي ضوء المخاوف من موجات نزوح فلسطيني قسري باتجاه الحدود المصرية، بدأت القاهرة – بشكل علني – التحذير من أن أي محاولة لفرض حل على حساب أراضيها "خط أحمر"، و"تهديد مباشر للأمن القومي المصري".
ومن هذا المنطلق، يرى مراقبون إسرائيليون أن الإجراءات المصرية في سيناء قد تكون، جزئيًا، ردًا وقائيًا على سيناريوهات محتملة، خصوصًا مع تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية جنوب القطاع واقترابها من حدود مصر.
أحد أكثر الملفات حساسية في هذه المرحلة هو محور فيلادلفيا، المنطقة العازلة الواقعة على الحدود بين مصر وغزة. تُعد هذه المنطقة محل خلاف بين القاهرة وتل أبيب، حيث تعتبرها مصر منطقة يجب أن تبقى تحت رقابة أمنية مصرية حصرية، بينما ترى إسرائيل أهمية في وجودها العسكري فيها لحماية حدودها.
وبحسب غوفرين، فإن القاهرة قد تستخدم ملف المحور كورقة تفاوضية، مطالبة بانسحاب إسرائيلي كامل كشرط لأي عودة إلى التهدئة أو استئناف التعاون الثنائي، بما في ذلك صفقات الطاقة الكبرى، وعلى رأسها صفقة الغاز التي تبلغ قيمتها نحو 35 مليار دولار، والمجمدة حاليًا.
ومع تزايد المؤشرات على تآكل الحدود الفاصلة بين ما هو مُتفق عليه في المعاهدة وما يُنفذ على الأرض، يرى خبراء إسرائيليون أن العلاقة مع مصر تمر بلحظة دقيقة، تحمل بذور مواجهة سياسية وربما أمنية مستقبلية. ويحذر غوفرين من أن إسرائيل قد تجد نفسها أمام جيش مصري مُعزز على حدودها الجنوبية، في سابقة لم تحدث منذ 1979، مما يفرض إعادة تقييم شاملة لاستراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي.
وفي ختام تصريحاته، شدد غوفرين على أهمية إرسال رسالة واضحة من أعلى المستويات في إسرائيل تنفي أي نوايا لتهجير الفلسطينيين أو تقويض أمن مصر، محذرًا من أن استمرار تجاهل هذه الهواجس قد يفتح الباب أمام "فصل جديد تمامًا في العلاقة المعقدة بين الجارتين".