احتجاجات شعبية تضع حكومة الزيدي أمام أول اختبار صعب
بغداد – تجددت المظاهرات الشعبية في عدد من المحافظات العراقية، ومنها بغداد وبابل والمثنى، احتجاجا على تردي الخدمات واستشراء الفساد، لتسلط الضوء مجدداً على حجم الأزمات الخدمية والمعيشية التي يعاني منها المواطنون، في ظل استمرار تعثر الحلول الحكومية للعديد من الملفات الأساسية.
وتضع هذه الاحتجاجات حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي أمام اختبار مبكر وحساس، في ظل تركة ثقيلة من الأزمات الاجتماعية والخدمية ورثتها عن الحكومات السابقة، فالمطالب المتصاعدة المتعلقة بالتوظيف وتحسين الخدمات وتوفير السكن والكهرباء لا تمثل مجرد ملفات إدارية مؤجلة، بل تعكس أزمة ثقة متراكمة بين الشارع ومؤسسات الدولة.
ويرى مراقبون أن استمرار الاحتقان الشعبي قد يؤثر على قدرة الحكومة على تنفيذ برنامجها المعلن إذا لم تتمكن من تحقيق اختراقات ملموسة في الملفات الأكثر إلحاحاً. كما يطرح المشهد الحالي تساؤلات بشأن مدى نجاح الزيدي في معالجة مشكلات مزمنة استعصت على الحل رغم إنفاق مليارات الدولارات خلال السنوات الماضية، وفي مقدمتها أزمة الكهرباء وسوء الخدمات الصحية والبنية التحتية والبطالة.
وتزداد صعوبة المهمة في ظل بيئة إقليمية شديدة الاضطراب تلقي بظلالها على العراق، الذي يجد نفسه بحكم موقعه الجغرافي ومصالحه السياسية والاقتصادية عالقاً بين حليفين متنافسين هما الولايات المتحدة وإيران. وفي حال تمكنت الحكومة من تحويل وعودها إلى خطوات عملية يشعر بها المواطن، فقد تنجح في احتواء موجة الغضب الحالية واستعادة جزء من الثقة المفقودة، أما إذا استمرت الأزمات الخدمية والمعيشية دون حلول واضحة، فإن الاحتجاجات مرشحة للتحول إلى تحدٍ سياسي واجتماعي أكبر يضغط على أداء الحكومة ومسارها خلال المرحلة المقبلة.
ولم تعد الاحتجاجات تقتصر على المطالب الوظيفية فحسب، بل باتت تعكس حالة من الاستياء الشعبي تجاه تراجع مستوى الخدمات العامة وارتفاع معدلات البطالة وتأخر تنفيذ المشاريع التنموية.
ففي بابل، نظم عدد من التدريسيين والموظفين في جامعة بابل وقفة احتجاجية سلمية أمام البوابة الرئيسية للجامعة، للمطالبة بتخصيص قطع أراضٍ سكنية وصرف المستحقات المالية والعلاوات والترفيعات الوظيفية المتأخرة.
وفي بغداد أيضا، تظاهر عدد من خريجي معاهد النفط للمطالبة بحسم ملف التوظيف وتوفير فرص العمل، داعين الجهات الحكومية المختصة إلى الإسراع في معالجة أوضاعهم وإيجاد حلول لمطالبهم.
وتداولت مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو لاشتباكات بين قوات الشغب والمتظاهرين من خريجي المعاهد النفطية بسبب مطالبتهم بالتعيين أمام وزارة النفط في بغداد.
وترتبط موجة الاحتجاجات الحالية بحالة الإحباط المتزايدة من استمرار الفساد الإداري والمالي، والذي ينظر إليه كثير من العراقيين باعتباره أحد أبرز أسباب تعثر المشاريع الخدمية وتعطيل خطط التنمية. ويعتقد المحتجون أن غياب الرقابة الفاعلة والمحاسبة أدى إلى هدر الموارد المالية وإبقاء المشكلات الخدمية دون حلول جذرية.
وقال الأستاذ الجامعي الدكتور نعمان الخزرجي لوكالة شفق نيوز، إن المحتجين طالبوا بإطلاق تخصيصات الأراضي السكنية لمنتسبي الجامعة، وصرف العلاوات والترفيعات والمستحقات المالية المتأخرة، فضلاً عن احتساب الشهادات العلمية لبعض الموظفين وفق الضوابط القانونية.
من جانبه، أوضح الأستاذ الجامعي الدكتور أمير خضير حسين النافع، أن آخر عملية لتوزيع قطع الأراضي على منتسبي الجامعات في بابل كانت عام 1998، مشيراً إلى أن المحافظة تضم تسع مؤسسات جامعية حكومية وأهلية ويعمل فيها عشرات الآلاف من التدريسيين والمنتسبين.
وتأتي أزمة البطالة في مقدمة الأسباب التي دفعت المحتجين إلى النزول للشارع، خاصة بين فئة الشباب والخريجين الذين يواجهون صعوبات متزايدة في الحصول على فرص عمل داخل القطاعين العام والخاص. كما ساهمت المماطلة في حسم ملفات التعيينات الحكومية والعقود المؤقتة في تصاعد حالة الاحتقان، خصوصاً في المحافظات التي تشهد كثافة سكانية مرتفعة ومعدلات بطالة أعلى من المعدل الوطني.
ولا تزال العديد من المناطق العراقية تعاني من تردي الخدمات الأساسية، بما في ذلك انقطاع الكهرباء المتكرر خلال فصل الصيف، وضعف شبكات المياه الصالحة للشرب، وتدهور البنى التحتية للطرق وشبكات الصرف الصحي. ورغم تخصيص الحكومات المتعاقبة مليارات الدولارات لمشاريع الإعمار والخدمات، إلا أن المواطنين يشكون من بطء الإنجاز وعدم انعكاس تلك المخصصات على واقعهم المعيشي.
وأكد نقيب الأكاديميين في بابل الدكتور مشتاق الخفاجي، أن المطالب التي رفعها المحتجون تمثل حقوقاً قانونية ومشروعة، داعياً الجهات المعنية إلى الاستجابة لها وإنصاف شريحة الأكاديميين والموظفين.
وفي المثنى، خرجت حشود من أبناء قضاء الهلال في تظاهرة للمطالبة بتحسين الواقع الخدمي والنهوض بمستوى الخدمات المقدمة للمواطنين في المحافظة.
ورفع المحتجون في المحافظات الثلاث شعارات ولافتات تدعو إلى الاستجابة لمطالبهم، مؤكدين مواصلة التحركات السلمية لحين تحقيقها.
ويشكو الكثير من المتظاهرين من أن معايير الكفاءة والتحصيل العلمي تراجعت لصالح المحسوبية السياسية في مؤسسات الدولة، ويقولون أن الفرص الوظيفية موجودة لكنها تُمنح لمن يملك نفوذاً حزبيّاً أو يتبع جهة سياسية ويقدم لها الطاعة والولاء. ومن يسير خلف هذه الأحزاب يحصل على وظيفة دون أن يضطر للنزول إلى الشارع أو تحمل قسوة الطقس والتظاهر.
وهذا الواقع ينسحب على مختلف المحافظات العراقية؛ حيث يروي أحد المتظاهرين وهو أب لثلاث خريجات من كلية التربية تخصص لغة إنجليزية في محافظة ميسان (العمارة)، معاناة عائلته قائلاً "بناتي الثلاث لم يحصلن على أي فرصة تعيين رغم تخرجهن. الوظائف في المحافظة ذهبت لأصحاب الوساطات والنفوذ الحزبي، بينما بقينا نحن دون أي معيل أو أمل في التغيير".
ويرى متابعون أن الأزمة تتجاوز الجانب المالي إلى الفساد الهيكلي والمحاصصة التي تحكم مفاصل الدولة. فالحكومات المتعاقبة عجزت عن إيجاد حلول حقيقية لأن النظام قائم على المحاصصة الحزبية وتجارة الأصوات الانتخابية.
ومع تكرار الاحتجاجات والوعود الحكومية المتتالية، يبدي الكثير من الخريجين إحباطاً متزايداً؛ إذ بات الأمل في الحصول على فرصة عمل عادلة شبه معدوم لدى شريحة واسعة منهم، في ظل أزمة اقتصادية مركبة تواجهها البلاد وعجز مستمر عن إصلاح هيكلية الاقتصاد العراقي الذي يعتمد بشكل شبه كلي على الواردات النفطية.
وتحمل هذه التحركات الشعبية رسائل واضحة إلى الحكومة العراقية بضرورة الإسراع في معالجة الملفات الخدمية والوظيفية، فاستمرار الأزمات المعيشية دون معالجات ملموسة قد يؤدي إلى اتساع رقعة الاحتجاجات وتحولها إلى موجة ضغط شعبية أكبر تطالب بإصلاحات اقتصادية وإدارية شاملة.
ويرى مراقبون أن نجاح الحكومة في احتواء الغضب الشعبي يتوقف على قدرتها على تقديم حلول عملية وسريعة، تشمل توفير فرص العمل، وتسريع تنفيذ المشاريع الخدمية، وتحسين واقع الكهرباء والمياه والبنية التحتية، فضلاً عن تعزيز إجراءات مكافحة الفساد. فهذه الملفات تمثل جوهر مطالب الشارع العراقي، وأي تأخير في معالجتها سيبقي الاحتجاجات خياراً مفتوحاً أمام المواطنين للتعبير عن مطالبهم.