احتجاجات متفرقة في السودان.. عفوية أم بتحريك من الإخوان

من الخرطوم وجوارها إلى نيالا والفاشر في جنوب وشمال إقليم دارفور، السلطة الانتقالية تواجه ضغوطا شديدة في ظل تحركات احتجاجية تنديدا بتردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية.


إخوان السودان يلعبون ورقة الشارع في مواجهة إجراءات 'التطهير'


أي علاقة لعودة إخوان السودان للمحاضن الاجتماعية وتحرك الشارع السوداني


الشرطة السودانية تفرق بالقوة متظاهرين في نيالا وتفرض حظر تجول في الفاشر


احتجاجات في بورتسودان مركز ولاية البحر الأحمر بعد احتجاجات الخرطوم

الخرطوم - تواجه الحكومة الانتقالية في السودان ضغوطا متزايدة في إقليم دارفور وحتى في العاصمة الخرطوم وكبرى المدن، بعد موجات من الاضطرابات واشتباكات قبلية دموية، فيما تكابد للخروج من أسوا أزمة اقتصادية وصحية، قسم كبير منها من ارث النظام السابق.

وتأتي الاحتجاجات بعد إعلان تشكيل حكومة جديدة تضم قادة حركات متمردة سابقة مكلفة بإصلاح الاقتصاد المتعثر الذي دمرته عقود من العقوبات الأميركية وسوء الإدارة والحرب الأهلية في عهد الرئيس المعزول عمر البشير.

كما تأتي بعد أقل من شهر على إعلان 'الحركة الإسلامية' العودة للمحاضن الاجتماعية ودعوة أنصارها ومنتسبيها للتركيز على العمل الدعوي والخيري ومساعدة المحتاجين والتصدي لما وصفته بـ"الظلم والقهر".

ويشهد السودان في الأسابيع الأخيرة احتجاجات متواصلة في أكثر من منطقة من بينها إقليم دارفور.

وفي أحدث حلقة من حلقات الاضطرابات، أطلقت الشرطة السودانية اليوم الثلاثاء قنابل الغاز المسيل للدموع وطلقات الرصاص الحي في الهواء لتفريق تظاهرات بمدينة نيالا مركز ولاية جنوب دارفور غربي البلاد، خرجت احتجاجا على تردي الأوضاع الاقتصادية، بينما تجددت احتجاجات عنيفة أيضا في مدينة الفاشر مركز ولاية شمال الإقليم على خلفية حادثة مقتل مزارع على أيدي مجهولين.

وأفاد شهود عيان بأن مئات المتظاهرين خرجوا في وسط نيالا، حيث أحرق بعضهم إطارات سيارات في الشوارع، ما دفع الشرطة لاستخدام قنابل الغاز المسيل للدموع وإطلاق الأعيرة النارية في المتظاهرين الذين رددوا شعار "سلمية.. سلمية"، بينما استمرت المواجهات مع قوات الأمن بين كر وفر.

وأشار الشهود إلى انتشار كثيف لقوات الأجهزة الأمنية في سوق نيالا الكبرى التي شهدت صدامات بين قوات الشرطة والمتظاهرين، في حين قامت السلطات المحلية بإغلاق السوق مع ارتفاع وتيرة الاحتجاجات.

وقررت لجنة أمن الولاية مساء الاثنين تعليق الدراسة لمرحلتي الأساسي والثانوي اعتبارا من اليوم الثلاثاء بسبب الاضطرابات المتواصلة منذ أيام.

كما شهدت مدينة بورتسودان مركز ولاية البحر الأحمر (شرق)، صباح الثلاثاء تظاهرات احتجاجا على تردي الأوضاع الاقتصادية أيضا.

وتجمع عشرات المتظاهرون في شوارع المدينة منددين بسوء الأوضاع المعيشية، مطالبين بسقوط الحكومة الانتقالية.

وفي مدينة الفاشر مركز ولاية شمال دارفور غربي السودان، تجددت الاضطرابات الثلاثاء بعد حادثة مقتل مزارع على أيدي مجهولين.

وقال شهود عيان إن مئات المحتجين خرجوا إلى شوارع المدينة، حيث أحرق بعضهم مقار حكومية بينها مكتب أرشيف النيابة العامة وديوان الضرائب ومكتب شؤون الخدمة، بينما ذكرت مصادر محلية أن بعض المحال التجارية في 'السوق الكبير' بالمدينة تعرضت للنهب، مشيرة إلى أن المحتجين أتلفوا العديد من السيارات الخاصة والحكومية بينها سيارتا شرطة.

وكانت حكومة ولاية شمال دارفور قد أعلنت الاثنين فرض حظر تجوال ليلي في الفاشر لأجل غير مسمى على خلفية "أحداث تخريب وحرق" عقب مقتل مزارع الأحد على يد مجهولين.

وأشارت إلى أن الحظر يتواصل بين الساعة 6 مساء (16.00 ت.غ) و6 صباحا (4.00 ت.غ) على خلفية "أحداث تخريب وحرق طالت البورصة السلعية ومباني الحكومة بالمدينة وسيارة شرطة".

وذكرت وكالة الأنباء السودانية (سونا) أن أحداث الاثنين، وقعت إثر تجمع أهل المزارع المقتول وإغلاق طرق رئيسة بالمدينة للمطالبة بالقبض على الجناة، دون تفاصيل أكثر عن سبب القتل أو الإجراءات التي اتخذت بحق ملاحقة الجناة.

وتشهد مناطق عديدة في دارفور اقتتالا دمويا بين القبائل العربية والإفريقية ضمن صراعات على الأرض والموارد ومسارات الرعي.

ويعاني السودان أزمات متجددة في الخبز والطحين والوقود وغاز الطهي نتيجة ارتفاع سعر الدولار مقابل الجنيه في الأسواق الموازية (غير الرسمية) إلى أرقام قياسية (الدولار مقابل 55 جنيها في السوق الرسمية و300 في الموازية).

وتجلت الأزمة الاقتصادية في اصطفاف عدد كبير من المواطنين أمام المخابز ومحطات الوقود لندرتها وعدم توفرها.

ويعيش السودان منذ 21 أغسطس/آب 2019 مرحلة انتقالية تستمر 53 شهرا تنتهي بإجراء انتخابات مطلع 2024، يتقاسم خلالها السلطة كل من الجيش وقوى إعلان الحرية والتغيير.

وفي ظل الأزمات المتراكمة منذ سنوات ولاحقا بسبب تداعيات جائحة كورونا، تجد السلطة الانتقالية نفسها في مأزق مع ندرة الموارد وشح في السيولة والدولار وانهيار العملة الوطنية وارتفاع نسبة التضخم.

وتحاول منذ فترة الحصول على دعم مالي خارجي وعلى قروض من الجهات الدولية المانحة بعد قرار واشنطن شطب السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

ولا تملك سلطة المناصفة (حكومة مدنية تضم في صفوفها قوى التغيير ومجلس سيادي يديره العسكر) حلولا عملية ولا عاجلة للتعاطي مع أكثر من أزمة، وسط مخاوف من توسع الاضطرابات الاجتماعية وامتداد الاحتجاجات إلى أكثر من منطقة.

وليس إقليم دارفور وحده من يشهد احتجاجات اجتماعية فالعاصمة الخرطوم وكبرى المدن تشهد من فترة إلى أخرى تظاهرات منددة بسوء الوضع المعيشي وبندرة الخبز والوقود.

ويعتقد بعض المتابعين للشأن السوداني أن المظاهرات في جزء منها عفوية لكنهم لا يستبعدون وجود أطراف أخرى تعمل على تحريك المياه الراكدة وتجييش الشارع لأهداف سياسية.

وترجح مصادر أن يكون لأنصار الرئيس المعزول عمر البشير دور في دفع الساحة السودانية للمزيد من الاضطرابات وأن انكفاء إخوان السودان وإعلانهم العودة للمحاضن الاجتماعية تكتيك للتسلل إلى النسيج المجتمعي واستعادة التأثير لجهة تحريك الشارع وتأليبه على السلطة الانتقالية.

وفي الشهر الماضي قالت 'الحركة الإسلامية' التي تعد المرجعية لحزب المؤتمر الوطني الحاكم في عهد البشير والتي تعرض الكثير من قادتها للاعتقال بعد عزل الرئيس السابق، إنها تعود إلى محاضنها في المجتمع، داعية كوادرها إلى "النهوض لنصرة الحق وقهر الباطل".

وجاء في رسالة صوتية بعث بها علي أحمد كرتي الأمين العام المكلف للحركة وبثت عبر المنصات الاجتماعية "فلتنهضوا لنصرة الحق وقهر الباطل وإصلاح حال البلاد وأهلها ولتتسابقوا في طريق الخيرات وتتحد صفوفكم وتجتمع إرادتكم وتتحرك كوامن قوتكم لاقتلاع الباطل دونما تردد".

وتابع "فلتتكاتف سواعدكم وتجعلوا آياديكم في خدمة المجتمع وصيانة كرامته وسد حاجته ونجدة ملهوفه مع المحافظة على إرثه الطيب. أنتم شهود على اصطفاف الحق وأهله وتراكم الخبيث وأهله رغم ما تتعرض له الحركة من كيد وتهديد ومطاردة واعتقال لإخوة كرماء وقادة شرفاء فك الله أسرهم وفرج كربتهم".

وقال أيضا "ها هي تعود عبركم (الحركة الإسلامية) إلى محاضنها في المجتمع ومواقفها للمدافعة عن الحق وأهله وصمودها في وجه" من سماهم "أعداء الله والوطن والعملاء والمأجورين" الذين "يسوقون البلاد كل يوم من فشل إلى فشل ولا يأبهون بعيش المواطن بل يعبرون به من حالة الكفاف إلى حالة العوز والمهانة".  

وعلى اثر هذه الرسالة شهد السودان تحركات احتجاجية على تردي الوضع المعيشي والاقتصادي، ما يحيل إلى دور محتمل للإخوان في تحريك الشارع خاصة وأن للرئيس المعزول الكثير من الأنصار ومنهم من هم في مؤسسات الدولة على الرغم من حملة التطهير التي تقودها السلطة الانتقالية ضمن مسار أوسع لتصحيح المسارات الداخلية والخارجية.