'اختراق' إسرائيلي يضع العراق في قلب حرب الظلال الإقليمية
واشنطن/بغداد - كشفت صحيفة 'نيويورك تايمز' الأميركية الأحد، عن معلومات جديدة تتعلق بوجود قواعد عسكرية إسرائيلية سرية في صحراء العراق الغربية، مؤكدة أن الأمر لا يقتصر على قاعدة واحدة، بل يشمل قاعدتين على الأقل استخدمتا لدعم العمليات العسكرية ضد إيران خلال المواجهات الأخيرة في المنطقة.
وتثير هذه التقارير موجة واسعة من التساؤلات السياسية والأمنية حول مدى اختراق السيادة العراقية، وطبيعة الدور الأميركي في إدارة الصراع الإقليمي مع إيران، في حين يعني هذا أن العراق قد يجد نفسه مرة أخرى في قلب حرب الظلال الإقليمية، حيث تتحرك القوى الكبرى فوق أراضيه بينما تبقى الدولة العراقية الحلقة الأضعف في معادلة الصراع.
وبحسب الصحيفة الأميركية، فإن إحدى القواعد اكتُشفت قبل أكثر من عام في مناطق صحراوية بمحافظة الأنبار (في تطابق مع المعلومات التي كانت قد نشرتها صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية خلال الفترة الأخيرة)، فيما أبلغ مسؤولون عراقيون وإقليميون الصحيفة بوجود قاعدة ثانية غير معلنة في الصحراء الغربية أيضاً. وأشارت إلى أن الاستعدادات الإسرائيلية لإنشاء هذه المواقع بدأت منذ أواخر عام 2024 ضمن خطط لتأمين مواقع انطلاق متقدمة يمكن استخدامها في أي نزاع مستقبلي مع إيران.
ونقلت عن مسؤولين أمنيين إقليميين أن القاعدة التي جرى اكتشافها استُخدمت خلال حرب الأيام الـ12 التي اندلعت بين إسرائيل وإيران في يونيو/حزيران 2025، موضحة أن الهدف منها كان تقليص المسافة التي تقطعها الطائرات الإسرائيلية للوصول إلى العمق الإيراني وتوفير دعم لوجستي وعملياتي للقوات المشاركة.
كما ذكرت أن واشنطن كانت على الأرجح على علم بوجود إحدى هذه القواعد على الأقل منذ عام 2025، أو ربما قبل ذلك، في وقت قال فيه مسؤولون أمنيون عراقيون إن الولايات المتحدة أجبرت بغداد خلال المواجهات مع إيران على إغلاق بعض الرادارات العراقية لحماية الطائرات الأميركية، الأمر الذي زاد اعتماد العراق على الجيش الأميركي في مراقبة الأجواء ورصد أي تهديدات محتملة.
وكان اللواء علي الحمداني قائد قوات غرب الفرات في الجيش العراقي قد أكد قبل فترة أن القوات العراقية كانت تشتبه منذ أكثر من شهر بوجود نشاط إسرائيلي في الصحراء الغربية قبل اكتشاف الموقع، مضيفا أن الحكومة العراقية التزمت الصمت حيال القضية حتى الآن.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن الأمر لا يتعلق بقاعدة واحدة فقط، بل بقاعدتين على الأقل إن لم يكن أكثر، وفق ما نقلته الصحيفة عن مسؤولين عراقيين وإقليميين، وهو ما سبق أن ألمحت إليه تقارير نشرتها صحيفة 'وول ستريت جورنال' خلال الأسابيع الماضية.
وبحسب هذه الروايات، فإن إحدى القواعد اكتُشفت بعد بلاغ قدمه راعٍ عراقي عن تحركات عسكرية غامضة في عمق الصحراء الغربية، فيما تحدثت مصادر أخرى عن وجود موقع ثانٍ غير معلن استُخدم لدعم العمليات الإسرائيلية ضد إيران خلال حرب الأيام الـ12 عام 2025.
كما أشارت التقارير إلى أن التحضير لإنشاء هذه المواقع بدأ منذ أواخر عام 2024، في إطار خطة إسرائيلية لإيجاد نقاط ارتكاز متقدمة وقريبة من العمق الإيراني.
ورغم عدم وجود تأكيد رسمي عراقي أو إسرائيلي مباشر حتى الآن، فإن تكرار المعلومات في أكثر من وسيلة إعلامية دولية، إضافة إلى حديث مسؤولين أمنيين وعسكريين عن "اشتباه سابق" بوجود نشاط أجنبي في الصحراء، يمنح هذه الروايات قدراً من الجدية السياسية والأمنية، حتى وإن بقي جزء منها ضمن إطار التسريبات غير المؤكدة بصورة نهائية.
وتكشف هذه التطورات حجم التعقيد الذي يواجهه العراق في محاولته الحفاظ على التوازن بين واشنطن وطهران، فوجود قواعد إسرائيلية داخل الأراضي العراقية، إن ثبت بشكل قاطع، يعني أن العراق تحول إلى ساحة صراع مفتوحة بين القوى الإقليمية والدولية، من دون قدرة حقيقية على ضبط حدوده أو منع استخدام أراضيه في النزاعات المحيطة به.
كما أن الحديث عن علم واشنطن بهذه القواعد، بل وإجبار بغداد على إغلاق بعض الرادارات خلال المواجهات مع إيران، يضع الحكومة العراقية في موقف بالغ الحساسية داخلياً، لأنه يثير تساؤلات حول مدى استقلال القرار السيادي العراقي.
أما عسكرياً، فإن وجود مثل هذه القواعد يمنح إسرائيل مزايا استراتيجية كبيرة، أبرزها تقليص المسافة الجوية نحو إيران، وتوفير مواقع للإسناد اللوجستي وعمليات الإنقاذ والدعم للقوات الخاصة والطائرات الحربية. كما أن اختيار الصحراء الغربية العراقية يعكس إدراكاً لطبيعة المنطقة الجغرافية الشاسعة قليلة السكان، والتي يصعب مراقبتها بصورة كاملة، ما يجعلها بيئة مناسبة للعمليات السرية والتحركات العسكرية غير التقليدية.
لكن الأخطر من ذلك يتمثل في التداعيات المحتملة على الداخل العراقي، فهذه المعلومات قد تمنح الفصائل المسلحة الموالية لإيران مبرراً جديداً للإبقاء على سلاحها تحت عنوان "مواجهة الاختراق الإسرائيلي"، كما قد تدفع طهران إلى توسيع نشاطها الأمني والعسكري داخل العراق بذريعة حماية أمنها القومي.
وأخطر ما تكشفه هذه التقارير ليس فقط احتمال وجود قواعد إسرائيلية سرية، بل حجم الهشاشة الأمنية والسيادية التي تسمح بتحول الأراضي العراقية إلى مساحة مفتوحة للتجاذبات الدولية والإقليمية، فحين تصبح الصحراء العراقية مسرحاً لعمليات استخباراتية وعسكرية متشابكة، فإن السؤال الأكبر لم يعد متعلقاً بعدد القواعد، بل بقدرة الدولة العراقية نفسها على استعادة السيطرة الكاملة على جغرافيتها وقرارها الوطني.