اختراق قانوني من 'بي أم دبليو' يحول القيادة 'بدون يدين' الى واقع عملي

العملاقة الألمانية تحصل على أول اعتماد عالمي لأنظمة مساعدة السائق، ما يتيح لنظام من ابتكارها يتيح للسائقين رفع أيديهم عن عجلة القيادة بشكل دائم العمل عملياً على سرعات تصل إلى 130 كم/ساعة في أكثر من 60 دولة.

ميونيخ (ألمانيا) - أعلنت مجموعة "بي إم دبليو" (BMW) الألمانية لصناعة السيارات الأربعاء عن حصولها كأول مصنّع في العالم على الموافقة بموجب لائحة الأمم المتحدة الجديدة رقم 171 (UN R171)، وهو إنجاز قانوني استراتيجي يمهد الطريق لنشر نظامها المتقدم "مساعد الطرق السريعة" (Motorway Assistant) للقيادة "بدون استخدام اليدين" في عشرات الأسواق الدولية، متجاوزة بذلك العقبات التنظيمية التي حصرت التكنولوجيا المماثلة في ألمانيا سابقاً.

ويسمح هذا النظام، وهو من المستوى 2 المتقدم، للسائقين برفع أيديهم عن عجلة القيادة بشكل دائم (دون التذكيرات المتكررة) على سرعات عالية تصل إلى 130 كم/ساعة (80 ميلاً في الساعة). وتكمن أهمية هذا الإعلان في أنه يمثل أول تطبيق لإطار قانوني دولي موحد لهذه الفئة من التكنولوجيا، مما يمنح "بي إم دبليو" أفضلية واضحة في سباق تسويق أنظمة القيادة شبه الذاتية القابلة للاستخدام العملي.

من الناحية التقنية، يعتمد نظام بي.إم.دبليو الجديد على حزمة استشعار متطورة تتكوّن من كاميرات عالية الدقة، ورادارات قصيرة وطويلة المدى، ووحدة ذكاء اصطناعي مدمجة قادرة على معالجة البيانات في الزمن الفعلي. كما يتكامل النظام مع الجيل الجديد من منصة iDrive التي تقدّم شاشة عرض أمامية واسعة تمتد عبر الزجاج الأمامي، مزوّدة بأدوات مخصصة لعرض حالة النظام، المسار النشط، ومستوى تدخل السائق.

وفي المناطق الحضرية، قالت الشركة إن النظام قادر على التوقف تلقائيًا عند الإشارات الحمراء والانطلاق مجددًا عند تغير الإشارة، مع خطط لإضافة مزايا إضافية عبر تحديثات هوائية (Over-the-Air) بعد الإطلاق التجاري.

اختراق قانوني ينهي "الخليط المربك"

حتى الآن، كانت الشركات الراغبة في تقديم أنظمة تتجاوز المستوى 2 التقليدي، مثل "بي إم دبليو" ومنافستها "مرسيدس-بنز"، تعتمد على "إعفاءات خاصة" (Ausnahmegenehmigung) تمنحها هيئة النقل الفيدرالية الألمانية (KBA - Kraftfahrt-Bundesamt). هذه الإعفاءات، ورغم كونها قانونية، كانت تقتصر على الطرق الألمانية فقط، مما خلق "خليطاً مربكاً من الأطر القانونية" في أوروبا وأعاق التوسع العالمي.

تأتي لائحة الأمم المتحدة رقم 171، المخصصة حصرياً "لأنظمة مساعدة تحكم السائق" (DCAS)، لتحل هذه المشكلة. فبموجب حصولها على "مصادقة النوع" (Type Approval) من هيئة KBA الألمانية المرموقة بموجب هذا المعيار الأممي، يمكن لـ "بي إم دبليو" الآن طرح نظامها في جميع الدول الستين الموقعة على اللائحة (والتي تشمل الاتحاد الأوروبي بأكمله، والمملكة المتحدة، واليابان، وكوريا الجنوبية) دون الحاجة إلى موافقات محلية منفصلة.

قد يبدو الإعلان عن نظام من المستوى 2 وكأنه "خطوة للوراء"، خاصة وأن "مرسيدس-بنز" كانت قد طرحت بالفعل نظام "Drive Pilot" من المستوى 3 (المعتمد بموجب لائحة أممية مختلفة هي UN R157)، والذي يسمح للسائق ليس فقط برفع يديه (hands-off) بل أيضاً بإبعاد عينيه عن الطريق (eyes-off) في سيناريوهات محددة.

لكن المقارنة تكشف عن استراتيجيتين مختلفتين تماماً. فنظام "مرسيدس" من المستوى 3، الذي تنتقل فيه المسؤولية القانونية إلى السيارة، مقيد للغاية: فهو يعمل فقط في الازدحام المروري الكثيف، وعلى سرعات لا تتجاوز 60 كم/ساعة.

على النقيض، فإن نظام "بي إم دبليو" (المستوى 2 المتقدم) يركز على قابلية الاستخدام العملي. إنه يتطلب من السائق إبقاء عينيه على الطريق (eyes-on) - ويتم مراقبة ذلك بكاميرات متطورة - وبالتالي تظل المسؤولية القانونية على عاتق السائق. لكن المقابل هو إمكانية استخدامه على سرعات سفر فعلية تصل إلى 130 كم/ساعة، مما يغطي غالبية سيناريوهات القيادة الرتيبة على الطرق السريعة.

تكنولوجيا "الفئة الجديدة" 

وقالت الشركة في بيان رسمي صادر عن مقرها في ميونيخ، إن النظام يمثل “خطوة جديدة في الانتقال من أنظمة المساعدة التقليدية إلى مفهوم القيادة التعايشية (Symbiotic Drive)، حيث يتعاون السائق مع الخوارزميات بطريقة مرنة لا تُعطّل النظام عند أي تدخّل بسيط من السائق مثل لمس المقود أو الفرامل”. وأوضحت بي.إم.دبليو أن هذا النهج “يسمح بتفاعل ديناميكي بين الذكاء الاصطناعي والقيادة البشرية مع الحفاظ على السيطرة الكاملة في كل الأوقات”.

وفي مقابلة نُشرت على موقع الشركة، قال الدكتور ميهار أيّوبي، نائب الرئيس الأول لتطوير تجربة القيادة في بي.إم.دبليو: "إن اعتماد الأمم المتحدة على هذه اللائحة الجديدة يتيح لنا تقديم وظائف القيادة شبه الذاتية من المستوى 2 في عدد أكبر بكثير من الدول مقارنة بالماضي، ويمهّد الطريق أمام أنظمة أكثر ابتكارًا مستقبلًا".

وأضاف: "نحن نخلق توازنًا مثاليًا بين الخوارزميات المعتمدة على القواعد والذكاء الاصطناعي، بحيث تبقى تصرفات النظام قابلة للتنبؤ ومفهومة، ما يعزز الثقة لدى المستخدمين والسلطات التنظيمية".

سيتم تقديم "مساعد الطرق السريعة" المعتمد حديثاً لأول مرة في سيارة "iX3" الكهربائية القادمة، والتي تدشن جيل "الفئة الجديدة" (Neue Klasse) الثوري للشركة. ويعتمد النظام على بنية حاسوبية جديدة كلياً تسمى "Symbiotic Drive"، والتي تتيح معالجة البيانات الهائلة من المستشعرات اللازمة لمراقبة السائق والطريق بشكل متزامن.

وعند تفعيله، يحافظ النظام على السرعة والمسافة، ويتولى التسارع والتباطؤ، ويراقب حركة المرور بحثاً عن المخاطر. والأهم من ذلك، أنه يقدم ميزة تغيير المسار النشط؛ حيث يقترح نظام الملاحة BMW Maps تغيير المسار عند المخارج والتقاطعات، ويمكن للسائق تأكيد المناورة بمجرد "إلقاء نظرة" على المرآة الجانبية الموافقة، ليقوم النظام بتنفيذها تلقائياً.

وتخطط الشركة أيضاً لطرح ميزات إضافية عبر التحديثات الهوائية (OTA)، مثل التوقف التلقائي عند الإشارات الحمراء والانطلاق مجدداً في القيادة داخل المدن.

ويشير خبراء الصناعة إلى أن توحيد المتطلبات القانونية لأنظمة المستوى 2 المتقدمة عبر لائحة UN R171 لا يسهل فقط على "بي إم دبليو" بيع تقنيتها الحالية، بل يمهد الطريق أيضاً لموافقات أسهل وأسرع لأنظمة المستوى 3 "eyes-off" الأكثر تقدماً في المستقبل، مما يضع إطاراً قانونياً واضحاً يمكن لجميع الشركات المصنعة البناء عليه.