ارتفاع التضخم في تونس لا ينذر بانفلات الأسعار
تونس - يرجح خبراء اقتصاديون في تونس عدم حدوث قفزة كبيرة في الأسعار خلال الفترة المقبلة رغم ارتفاع معدل التضخم في البلاد إلى حدود 5.5 بالمئة خلال أبريل/نيسان الماضي بعد أشهر من الاستقرار النسبي.
ويقول خبيران أن سياسات الدولة في التحكم بأسعار المواد الأساسية والطاقة كبحت مخاطر ارتفاع الاسعار بشكل عام وحذرا في الوقت ذاته من سيناريوهات أكثر كلفة إذا تصاعدت التوترات الإقليمية.
وقال المحلل المالي والاقتصادي التونسي بسام النيفر، إن ارتفاع التضخم في أبريل/نيسان له جانبان، الأول الارتفاع العالمي للتضخم بحكم تداعيات الحرب وبالتالي هو "تضخم مستورد"، والثاني يعود إلى مسائل هيكلية في الاقتصاد التونسي.
وأضاف النيفر أن ارتفاع أسعار المواد الغذائية بنسبة 8.2 بالمئة والملابس 9.3 بالمئة، هو الأكثر تأثيرا كونها مجموعات مهمة تؤثر في مؤشر الاستهلاك العائلي.
وأشار إلى ارتفاع أسعار الخضر والغلال بنسبة 19.2 بالمئة والدواجن 16.1 بالمئة ولحم الخروف 16.1 بالمئة والخضر الطازجة 11.9 بالمئة، وهي مواد يستهلكها المواطن بصفة يومية، موضحا أن جزءا من أسباب الارتفاع هو طرق التوزيع، بالرغم من محاولات تنظيمها.
وقال النيفر "هناك مشاكل هيكلية في إنتاج اللحوم والدواجن، مثل فيضانات يناير (كانون الثاني الماضي) في ولاية نابل (شمال شرق) التي سببت بتضرر المزارع".
وأضاف "ارتفاع أسعار مادة غذائية معينة يؤثر في الأخرى، فأسعار الموز التي وصلت إلى 20 دينارا للكيلوغرام (6.6 دولارات) تسبب في ارتفاع أسعار فواكه أخرى، مثل الفراولة التي وصلت إلى 8 دنانير ( 2.6 دولار)".
وتابع "في المنتجات الزراعية هناك مشكلة في طرق التوزيع والإنتاج"، موضحا أن "المواد الأساسية هي قاطرة الأسعار بصفة عامة، وإذا لم تتم السيطرة عليها سنبقى دائما تحت ضغوط التضخم".
وبخصوص تأثيرات التضخم الخارجي، أوضح أنه "إذا لم تعد الحرب، يمكن السيطرة على التضخم، لأن أسعار النفط تؤثر فيه. ومن ثم بعد انتهاء الحرب سيكون انخفاض التضخم تدريجيا".
وإثر تعثر مفاوضاتها مع طهران بوساطة باكستانية تفرض الولايات المتحدة منذ 13 أبريل حصارا على الموانئ الإيرانية، بما فيها الموجودة على مضيق هرمز الحيوي لإمدادات الطاقة العالمية.
وردت إيران بإغلاق المضيق ومنع مرور السفن إلا بتنسيق معها، وسط مخاوف من احتمال انهيار الهدنة السارية منذ 8 أبريل، إذا لم يتم إبرام اتفاق لإنهاء الحرب.
وفي 28 فبراير/ شباط بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل حربا على إيران خلفت أكثر من 3 آلاف قتيل، بحسب طهران التي شنت هجمات على إسرائيل ودول عربية في المنطقة، خلفت قتلى أمريكيين وإسرائيليين.
كما أوضح أن الدولة لم ترفع أسعار البنزين وهذا مهم، لأن أسعار المواد المؤطرة (السلع والخدمات التي تتدخل الدولة في تحديد أسعارها أو مراقبتها) ساهمت في ارتفاع التضخم بنسبة 0.2 بالمئة، فيما 5.3 بالمئة بسبب ارتفاع أسعار المواد الحرة.
وأردف المحلل المالي والاقتصادي "لولا الدولة التي تمسك بأسعار المواد المؤطرة وخاصة المحروقات، لكان معدل التضخم ارتفاع بنسب أعلى بكثير".
ونبه إلى أن "التضخم المستورد (ارتفاع الأسعار محليا بسبب غلاء المواد المستوردة) لا يمكن السيطرة عليه إلا على المدى الطويل".
وأشار في هذا الصدد إلى "أسعار الغاز الطبيعي"، ولذلك تسعى الشركة التونسية للكهرباء والغاز (حكومية) إلى تعويض جزء من الغاز بالطاقة النظيفة، مثل الطاقة الشمسية، خلال 3 أو 4 سنوات.
وشدد قائلا "لابد من سياسيات وأهداف واضحة في تحديد زمن لتحسين الإنتاج في المنتجات الزراعية والتحكم في طرق التوزيع".
وخلص إلى أنه "في الفترة القادمة لا نتوقع ارتفاعا ولا انخفاضا كبيرا للتضخم. بعد 3 أو 4 أشهر سيعود بمنحى تنازلي والنسق سيكون تدريجيا".
من ناحيته، قال أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية رضا الشكندالي، إنه منذ العام 2023 إلى الآن هناك منحنى تنازلي للتضخم، واستدرك: "لكن في الثلاثة أشهر الأخيرة عاد التضخم للارتفاع".
وعزا الشكندالي جزءا كبيرا من التضخم إلى الاقتراض الداخلي الذي وصل حد 7 مليارات دينار (2.3 مليار دولار) في 2024، و7 مليارات دينار (2.3 مليار دولار) في 2025، وفي بداية 2026 اقترضت الدولة 11 مليار دينار (3.6 مليارات دولار).
ولفت إلى أن "تداعيات الحرب على إيران لم تصل تونس بعد، هذه التداعيات سنتعرض لها في الأشهر القادمة".
وأضاف "هناك عوامل أخرى غير الاقتراض المباشر أثرت في التضخم، مثل تراجع النمو الاقتصادي وتراجع الإنتاج وعدم قيام الدولة بدورها الطبيعي في تعديل السوق (التوريد)".
وتابع الشكندالي "هناك نقص في العرض، بسبب عدم وجود مناخ أعمال يشجع على الاستثمار وبالتالي على الإنتاج".
واعتبر أن الدولة "تراجعت عن القيام بدورها في التوريد لتعديل السوق. هي تريد الحفاظ على (احتياطي) العملات الأجنبية لتقول لصندوق النقد الدولي إن لديها عملة صعبة تكفي لعدة شهور في حين أن تلك الموجودات من العملة لا تستخدم في التوريد".
وأردف النيفر"دول العالم كلها تعمد إلى استيراد خراف في عيد الأضحى، إلا نحن لا نستورد، لذلك يصل ثمن الخروف بين 1700 دينار (566.6 دولار) و2000 دينار (666.6 دولار)".
ورأى الشكندالي من جانبه أنه "إذا رفّعت الدولة أسعار الطاقة سيحدث انفلات كبير جدا في الأسعار لأن كل المواد التي ننتجها تستعمل الطاقة".
واعتبر أن ذلك الخيار لا يمكن أن يحدث الآن، لأن "رفع الدعم عن المحروقات هو من إملاءات صندوق النقد الدولي وهي مقاربة رئيس الجمهورية (قيس بن سعيد) يرفضها لأنها تتعارض مع خياراته".
وأوضح أن التضخم نوعان، الأول بسبب ارتفاع أسعار المواد الأولية المستوردة، والثاني بسبب ارتفع كلفة الدعم ما يسبب عجزا إضافيا في موازنة الدولة.
وأوضح أن صندوق النقد الدولي يتوقع 3 سيناريوهات، أولها أن تستمر الحرب بعد أواخر يونيو/حزيران ما يسبب عجزا للميزانية بنحو 6 مليارات دينار (205 ملايين دولار)، وهنا ستصل نسبة التضخم إلى 7 بالمئة.
أما السيناريو السلبي، هو أن تتواصل الحرب إلى آخر العام دون ضرب البنى التحتية النفطية في دول الخليج العربي وايران، وسنصل إلى عجز يصل إلى 8 مليارات دينار (أكثر من 274 مليون دولار)، وتضخم بنسبة 8 بالمئة.
والسيناريو الثالث وهو الحاد، وفيه سيتم قصف البنية التحتية النفطية في الخليج وإيران، ما سيرفع سعر برميل النفط إلى أكثر من 120 دولارا، وسيرتفع العجز إلى 10 مليارات دينار (نحو 342 مليون دولار) وتضخم 10 بالمئة.