استئناف سفير فرنسا لمهامه يُعيد فتح قنوات الحوار مع الجزائر

السفير سيعطي الأولوية لعودة الصحفي كريستوف غليز المسجون في الجزائر بتهم تتعلق بتمجيد الإرهاب إلى فرنسا.

باريس - أعلنت فرنسا الجمعة، استئناف سفيرها لدى الجزائر ستيفان روماتييه، لمهامه بعد أكثر من عام على استدعائه للتشاور على خلفية أزمة دبلوماسية بين البلدين، في مؤشر على إعادة فتح قنوات الحوار وتخفيف حدة الأزمة على وقع التطورات الإقليمية في الساحل الافريقي والشرق الأوسط.

وأفاد بيان لقصر الإليزيه، بأن الرئيس إيمانويل ماكرون، كلف الوزيرة المنتدبة لدى وزيرة الجيوش والمحاربين القدامى، أليس روفو، بإجراء زيارة رسمية إلى الجزائر يوم 8 مايو/ أيار الجاري. مضيفا أن سفير فرنسا لدى الجزائر سيرافق الوزيرة المنتدبة و"سيستأنف مهامه ويعمل على جميع جوانب التعاون الثنائي انطلاقا من مبدأ المعاملة بالمثل".

وأضاف بأن السفير سيعطي الأولوية لعودة الصحفي كريستوف غليز إلى فرنسا، والمسجون في الجزائر بتهم تتعلق بتمجيد الإرهاب.
وقبل أيام، كشفت عائلة الصحفي المحكوم عليه بالسجن لمدة سبع سنوات في الجزائر، تخليه عن الطعن بالنقض، أملاً في حصوله على عفو من رئيس الجمهورية عبدالمجيد تبون.

وكانت باريس استدعت سفيرها لدى الجزائر للتشاور، بتاريخ 15 أبريل/ نيسان 2025، احتجاجا على طرد الجزائر 15 موظفا قنصليا فرنسا، ردا على اعتقال السلطات الفرنسية أحد أعوانها القنصليين.

وتشهد العلاقات الجزائرية الفرنسية عودة تدريجية نحو التهدئة بعد أشهر طويلة من التوتر السياسي والدبلوماسي الحاد، حيث كانت قد دخلت واحدة من أسوأ مراحلها خلال السنوات الأخيرة بسبب تراكم الخلافات السياسية والتاريخية، إضافة إلى التباينات في عدد من القضايا الإقليمية.

ويبدو أن تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وإغلاق مضيق هرمز لعب دورا مهما في عودة العلاقات الدبلوماسية، إذ دفعت باريس نحو الاعتماد على النفط الجزائري بشكل كبير بعد تعطل سلاسل الامداد.

وسجّلت صادرات النفط الجزائري إلى فرنسا ارتفاعاً حاداً خلال شهر أبريل/نيسان الماضي، بعدما زادت بنحو 96 ألف برميل يومياً، ما يعادل نمواً بنسبة تقارب 225 بالمئة على أساس شهري. وأظهرت بيانات وحدة أبحاث الطاقة أن واردات فرنسا من الخام والمنتجات النفطية الجزائرية المنقولة بحراً بلغت 138 ألف برميل يومياً خلال أبريل/نيسان، مقارنة بـ43 ألف برميل يومياً في مارس/آذار 2026.

وأظهرت البيانات أن الصادرات سجّلت أيضاً نمواً سنوياً بنسبة 14 بالمئة، بزيادة قدرها 17 ألف برميل يومياً، مقارنة بمستويات الشهر ذاته من عام 2025، التي بلغت 121 ألف برميل يومياً.

وأوضحت أن هذا الارتفاع دفع فرنسا إلى صدارة قائمة أكبر مستوردي النفط الجزائري خلال أبريل/نيسان، بعدما استحوذت على نحو 15 بالمئة من إجمالي صادرات الجزائر من الخام ومشتقاته، البالغة 903 آلاف برميل يومياً.

وكانت ازدادت الأزمة تعقيدا بعد تصريحات ومواقف فرنسية اعتبرتها الجزائر "مسيئة" لسيادتها ولذاكرتها الوطنية، إلى جانب ملفات الهجرة والتأشيرات والذاكرة الاستعمارية، التي ظلت تمثل عقدة دائمة في العلاقة بين الطرفين.

كما ساهمت التحولات الجيوسياسية في منطقة الساحل وإفريقيا في توسيع فجوة الخلاف، خاصة مع تنامي التنافس الدولي على النفوذ في المنطقة، ومحاولة كل طرف إعادة ترتيب حضوره الإقليمي. وشهدت المرحلة الماضية تبادلا للانتقادات السياسية وفتورا واضحا في الاتصالات الرسمية، ما انعكس على مستوى التعاون الثنائي في عدد من المجالات.

غير أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن الطرفين توصلا إلى قناعة بأن استمرار التوتر لا يخدم مصالحهما الاستراتيجية. فالجزائر تعد شريكا مهما لفرنسا في ملفات الطاقة والهجرة ومكافحة الإرهاب، خاصة في ظل الاضطرابات الأمنية المتزايدة في منطقة الساحل. كما أن باريس تدرك أهمية الحفاظ على علاقات مستقرة مع الجزائر بالنظر إلى الثقل السياسي والاقتصادي الذي تمثله في شمال إفريقيا.

ومن الجانب الجزائري، تبدو العودة إلى التهدئة مرتبطة أيضا بحسابات سياسية واقتصادية، خصوصا في ظل سعي الجزائر إلى تنويع شراكاتها الدولية دون خسارة العلاقات مع القوى الأوروبية الكبرى. كما أن التعاون مع فرنسا يبقى مهما في ملفات الاستثمار والتكنولوجيا والتعليم والتبادل التجاري، رغم التوجه الجزائري نحو توسيع علاقاته مع شركاء آخرين كالصين وروسيا وتركيا.

وتأتي عودة السفير الفرنسي إلى الجزائر كخطوة رمزية تحمل دلالات سياسية مهمة، إذ تعكس رغبة الطرفين في إعادة بناء الثقة تدريجيا واستئناف الحوار المباشر حول القضايا العالقة. ومن المتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة تحركات دبلوماسية متبادلة تهدف إلى احتواء الخلافات وإعادة تنشيط التعاون الثنائي، خاصة في المجالات الاقتصادية والأمنية.

ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، فإن العلاقات الجزائرية الفرنسية تبقى مرشحة للتقلب في أي لحظة بسبب حساسية الملفات التاريخية والسياسية التي ما تزال دون حلول نهائية. فملف الذاكرة الاستعمارية، وقضايا الهجرة، والتنافس على النفوذ في إفريقيا، كلها عوامل تجعل العلاقة بين البلدين محكومة بمنطق "التهدئة الحذرة" أكثر من المصالحة الكاملة.

ومع ذلك، فإن استئناف النشاط الدبلوماسي وعودة السفراء يعكسان إدراكا متبادلا بأن القطيعة ليست خيارا واقعيا، وأن المصالح المشتركة تفرض على الجزائر وباريس الحفاظ على الحد الأدنى من التعاون، مهما بلغت حدة الخلافات السياسية بينهما.