استفسارات واعتذارات خلال محاكمات الجهاديين الفرنسيين في العراق

القانون العراقي يسمح للإرهابيين المنتمين إلى تنظيم الدولة الإسلامية والمدانين بالإعدام إمكانية طعن الحكم خلال 30 يوما.


فرنسا ترفض عودة مواطنيها المرتبطين بداعش إليها ومحاكمتهم


لا يوجد محام أصيل لغالبية المتهمين الذين يمثلون أمام المحكمة


سبق أن حكم على أكثر من 500 رجل وامرأة أجانب في العراق بالإعدام دون تنفيذه

بغداد -  أصدر القضاء العراقي على مدة الأيام الثلاثة الماضي، أحكام إعدام بحق نصف الفرنسيين الـ12 الذين نقلوا من سوريا إلى العراق ودينوا بالانتماء إلى تنظيم الدولة الإسلامية، فيما أكدت باريس أنها تكثف جهودها لمنع إعدام مواطنيها.

وفي المحكمة بدأ إبراهيم النجارة (33 عاما) بصوت منخفض سرد روايته الدفاعية ضد التهمة الموجهة بالانتماء إلى تنظيم الدولة الإسلامية، فيردّ عليه القاضي من منصته "ارفع صوتك، كما كنت ترفعه في الفيديو مهددا فرنسا".

ويسيطر القاضي أحمد محمد علي بشكل كامل على سير المحاكمة، متمكنا من الملفات بين يديه، ومفسحا في الوقت نفسه المجال أمام النجارة لسرد روايته كاملة، وهو يكرر كلمة "استرسل" لما يقارب الثلاث ساعات.

وظهر النجارة المتحدر من بلدة ميزيو القريبة من ليون في وسط شرق فرنسا، في مشاهد مصورة نشرها تنظيم الدولة الإسلامية بعد هجمات تشرين الثاني/نوفمبر2015 التي أسفرت عن مقتل 130 شخصا في فرنسا، بحسب مركز تحليل الإرهاب (CAT) في باريس.

ويواجهه القاضي أولا بالتسجيل على شاشة متوسطة الحجم علقت فوق المنصة، وتخصص عادة لمتابعة محضر الجلسة الذي يكتبه شاب يتوجه إليه القاضي باسم "عمار".

خلال العرض، يحرك النجارة، أو "أبو سليمان"، وهي كنيته داخل التنظيم، رأسه إلى الأمام، كمن يحاول التأكد من شيء ما. فيسأله رئيس الجلسة "أهذا أنت؟"، ليجيب المتهم "نعم، لكنني رفضت في البداية (التسجيل)، غير أنهم هددوني بالسجن".

فطلب منه القاضي أن يرفع صوته غير المفهوم، قائلا بنبرة المؤنب "لماذا لا يمكنك رفع صوتك كما كنت تشيد وتهدد بعد هجمات فرنسا في 2015؟".

فيؤكد الجهادي الفرنسي بزيه الأصفر المختوم بعبارة "دائرة الإصلاح العراقية" أنه ""محبط" لما فعله مذ التحق بصفوف التنظيم في سوريا التي وصلها في العام 2014.

كان النجارة يتقاضى من التنظيم، بحسب أقواله، مئة دولار عنه وعن زوجته، ومئة وخمسة دولارات عن أطفاله الثلاثة، ما يطلق عليه اسم "كفالة" في مصطلحات تنظيم الدولة الإسلامية.

ويؤكد الرجل الملقب أيضا بـ"أبو حيدر المهاجر"، أمام القاضي أن أصدقاء له أقنعوه أنه "في سوريا يمكنك أن تمارس شعائرك الدينية بأمن وسلام".

وهنا انتفض القاضي علي قائلا "في سوريا؟ بحثا عن ماذا؟ تركت بلدا يهاجر إليه السوريون في البحر بحثا عن الأمان، ويحصلون كلاجئين في بلدك على حياة أفضل بكثير". فيتلفت المتهم يمينا ويسارا، كالباحث عن إجابة تقنع القاضي.

لا يوجد محام أصيل لغالبية المتهمين الذين يمثلون أمام المحكمة. ويأمر القاضي مباشرة في ضوء ذلك بانتداب محام للدفاع عن المتهمين.

لكن ما الذي يمكن لهذا المحامي تقديمه، وهو "يدرس القضية داخل المحكمة مباشرة"، بحسب ما تقول المحامية غفران عبدالرحمن التي انتدبتها المحكمة للدفاع عن الفرنسي كرم الحرشاوي الذي حكم عليه بالإعدام.

القاضي يستمع إلى روايات الجهاديين كاملة لساعات
منظمات تطالب بضمانات لإجراء محاكمات عادلة

وتقول عبدالرحمن البالغة من العمر 33 عاما "لا اطلاع لي على القضية من قبل. غالبية القضايا تكون محسومة. لكن إذا التمسنا أن هناك بصيص أمل بقضية المتهم، نلفت نظر المحكمة إليها، للحصول ربما على حكم مخفف أو مرض للمتهم".

وتؤكد المحامية الشابة أن "تعاملنا كمحامين مع قضايا الإرهاب تكون بإنسانية رغم كل شيء. نتأسف على ما فعلوه، لكننا ننظر إلى الأسباب الخارجية التي جعلتهم يرتكبون هذه الأشياء".

في بعض الأحيان، تسيطر الحمية والحماسة على بعض المحامين خلال سماع إفادات المتهمين أمام القاضي، على غرار المحامي حاتم واصف الذي انتدبته المحكمة للدفاع عن النجارة.

فبعد أسئلة عدة وجهها القاضي للمتهم، وسماع طلب المدعي العام، طُلب من المحامي إذا كانت لديه أسئلة ليوجهها.

فسأل واصف "هل تم تعذيبك أو أجبرت على الاعتراف بما نسب إليك؟"، وهو سؤال غالبا ما يكرره القاضي على المتهم الماثل أمامه.

بعدما أجاب المتهم بالنفي، استرسل المحامي قائلا "هل ما زلت مقتنعاً بفكر داعش؟".

وهنا تدخل القاضي ليلفت انتباهه بالقول "هذا السؤال ليس في صالح المتهم، قد تدينه به!".

لكن واصف أصرّ مشيرا في دفاعه إلى تقرير التحقيق الابتدائي، وفيه أن النجارة "شارك في عمليات عسكرية في العراق وفي نينوى خصوصاً"، في وقت كان الفرنسي نفى ذلك أمام القاضي قبل وقت قصير، قائلا "لم أدخل إلى العراق، ولم أشارك في أي قتال في سوريا أو في العراق".

وبعد نهاية الجلسة حكمت المحكمة في بغداد اليوم الثلاثاء، على النجارة والحرشاوي الذي سيبلغ 33 عاما بعد غد الخميس، بالإعدام شنقا حتى الموت.

وسبق أن أصدرت المحكمة نفسها أحكاما بالإعدام يومي الأحد والاثنين على كيفن غونو وليونار لوبيز وسليم معاشو ومصطفى المرزوقي بالإعدام شنقا.

القاضي يستمع إلى روايات الجهاديين كاملة لساعات
القاضي يستمع إلى روايات الجهاديين كاملة لساعات

وبحسب القانون العراقي، لدى هؤلاء المدانين مهلة 30 يوما للطعن بالحكم، وهو ما أكد المحامي الفرنسي للوبيز أنه سيفعله.

ومن المرتقب أن يحاكم ستة فرنسيين آخرين نقلوا من سوريا خلال الأيام المقبلة في العراق، حيث ينص قانون مكافحة الإرهاب على عقوبة الإعدام لكل من دين بالانتماء إلى تنظيمات جهادية، حتى وإن لم يشارك في أعمال قتالية.

والثلاثاء، أكد وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان إن بلاده تكثف جهودها لتجنيب مواطنيها عقوبة الإعدام في العراق.

وسبق لبغداد أن حكمت على أكثر من 500 رجل وامرأة أجانب، بتهمة الانتماء إلى تنظيم الدولة الإسلامية، ولكن لم ينفذ حتى الآن حكم الإعدام بحق أي منهم.

وحكم على جهاديين بلجيكيين بالإعدام، فيما تمكنت ألمانية من تخفيض حكم بالإعدام إلى السجن المؤبد بعد الطعن.

وهذه السلسلة من الأحكام تعيد الجدل حيال المسألة الشائكة للجهاديين الأجانب، إذ أن عودتهم إلى بلدانهم الأصلية تقابل برفض قوي من الرأي العام الأوروبي، حيث ترفض دول مثل فرنسا في الوقت نفسه عقوبة الإعدام، وتدعو إلى إلغائه في كل مكان في العالم.

وأعلن لودريان في حديث لإذاعة "فرانس انتر"، "نحن نعارض عقوبة الإعدام وقد قلنا ذلك (...). وأنا نفسي ذكّرت الرئيس العراقي برهم صالح بموقفنا".

وكرر لودريان أيضاً موقف باريس الرافض لعودة المواطنين الفرنسيين المرتبطين بتنظيم الدولة الإسلامية إلى فرنسا ومحاكمتهم.

وأضاف "هؤلاء الإرهابيون، لأن الأمر يتعلّق فعلا بإرهابيين نفذوا هجمات ضدنا، وقد زرعوا الموت أيضاً في العراق، يجب أن تتم محاكمتهم حيث ارتكبوا جرائمهم".

وتندد منظمات حقوقية باحتمال تعرضهم "لأعمال تعذيب" وأن "لا ضمانات بإجراء محاكمات عادلة" في العراق، الذي يحتل المرتبة 12 ضمن لائحة البلدان الأكثر فسادا في العالم، بحسب المنظمة الدولية للشفافية.

وفي 2018، العام الذي تلا إعلان "النصر" على الجهاديين في العراق، أصدرت المحاكم العراقية ما لا يقل عن 271 حكماً بالإعدام، أي أربعة أضعاف العام 2017، بحسب منظمة العفو الدولية.

لكن في الحقيقة، فإن بغداد التي لا تزال بين أكثر خمس دول تنفذ أحكام الإعدام في العالم، قد أعدمت عددا أقل من المدانين. ففي العام 2018، تم شنق 52 مدانا مقارنة بـ125 في العام 2017.