اشتباكات داخل البرلمان العراقي وسط خلافات حول صلاحية إدارة الجلسات
بغداد - شهدت قبة البرلمان العراقي، الثلاثاء، تصعيدا حادا في الصراع السياسي داخل هيئة الرئاسة، بعدما أدار النائب الأول لرئيس المجلس، محسن المندلاوي، جلسة دون تفويض رسمي، مما دفع رئيس المجلس محمود المشهداني، إلى إعلان بطلانها. وقد تخللت الجلسة قرارات حساسة أدت إلى تفاقم الأزمة وكشفت عن خلافات عميقة حول التوازنات السياسية.
وأعلن المشهداني في كتاب وجهه إلى نائبيه وأعضاء المجلس وتشكيلاته كافة، أن "الجلسة باطلة لكون ما بني على باطل فهو باطلل "مضيفا "وعليه ما ترتب عليها من إجراءات لا يعتد بها"، مستندا إلى أحكام المادة (34/ثانيا) من النظام الداخلي التي تمنحه وحده صلاحية افتتاح وترؤس الجلسات، ما لم يكن غائبا أو فوض أحد نائبيه كتابيا.
وأوضح المشهداني أن “افتتاح الجلسة تم في غيابه، رغم تواجده في المجلس وعدم تعذر قيامه بمهامه، وعدم تخويله للنائب الأول بافتتاحها"، مؤكدا على “عدم جواز انعقاد أي جلسة بغير رئاسته في حال عدم غيابه أو تعذره".
ولفت إلى أنه "تم إبلاغ الأطراف المعنية كتابيا في وقت انعقاد الجلسة، لقطع الطريق على أي مسوغ قانوني لرئاسة الجلسات دون تفويض منه".
وكان مجلس النواب، قد عقد جلسته ظهر الثلاثاء، بحضور 169 نائبا، وصوت خلالها على رئيس وأعضاء مجلس الخدمة الاتحادي، وعلى رئيس مجلس الدولة.
وجاء هذا الخلاف، وفق وسائل إعلام محلية، بسبب إصرار النائب الأول على طرح فقرة التصويت على رئيس وأعضاء مجلس الخدمة الاتحادي ورئيس مجلس الدولة من المكون الشيعي، وهو ما اعتبره نواب المكون السني، والمشهداني نفسه، تجاوزا على الاستحقاقات المكوناتية والتوازنات السياسية، حيث أشارت مصادر إلى أن منصب رئيس مجلس الخدمة كان من المفترض أن يكون من حصة المكون السني، وفق التفاهمات السياسية.
وأثارت هذه الخطوة غضب نواب المكون السني، وتطورت الأحداث إلى مشادة كلامية حادة بين النائب علاء الحيدري (من الإطار التنسيقي) والنائب رعد الدهلكي (من تحالف العزم)، بعدما وجه الأول إساءة لفظية بحق المكون السني.
وأكد الدهلكي في بيان أن ما حدث هو "تجاوز صارخ لأعراف العمل البرلماني"، واتهم بعض الأطراف "بالاستحواذ على آخر مؤسستين مهمتين في الدولة العراقية" دون منح المكون السني استحقاقاته.
وأظهرت مقاطع فيديو متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي لجلسة مجلس النواب اشتباكات بالأيدي وتطاير الأحذية داخل مبنى البرلمان.
ويُظهر هذا الصراع مدى عمق الخلافات السياسية التي تعيق عمل البرلمان، حيث أشار النائب زهير الفتلاوي إلى أن "القوانين التي كان من المقرر التصويت عليها، وفي مقدمتها مقترح تعديل قانون أسس تعادل الشهادات والدرجات العلمية العربية والأجنبية رقم 20 لسنة 2020، والقانون الخاص بوزارة التربية، وهي جاهزة من الناحية القانونية، لكن الخلافات السياسية تعرقل تمرير القوانين".
ويرجح الفتلاوي استئناف الجلسات بعد انتهاء زيارة الأربعين، مع احتمالية إدراج هذه القوانين مجدداً للتصويت، مؤكداً أن "هناك حزمة من القوانين المنجزة والمعدة للتصويت، لكن المشكلة في عدم توافق الكتل، وليس في جاهزية التشريعات من الناحية الفنية أو الدستورية".
ولايزال أداء البرلمان محل جدل واسع بين أوساط النخب السياسية في العراق، خصوصا مع تعثر انعقاد الجلسات في ظل غياب التوافق السياسي واستمرار مقاطعة بعض القوى النيابية.
وكان رئيس كتلة أجيال النيابية محمد الصيهود، ذكر الثلاثاء، أن البرلمان يشهد عدم انسجام وغياب الاتفاق على مستويات عدة، منها الجانب السياسي بين الأحزاب، ومنها ما يتعلق برئاسة البرلمان نفسه، وتحديدا بين رئيس البرلمان ونائبه الأول، وهذا واضح لجميع أعضاء مجلس النواب، وهو جزء من العرقلة في الجلسات وتمرير القوانين.
وحمل النائب المستقل، هيثم الفهد، مؤخرا، الحكومة مسؤولية تعطيل جلسات، مؤكدا أن التعطيل جاء لتفادي إحراجها بشأن بعض القوانين، وتحديدا قانوني تقاعد الحشد الشعبي، وسلم الرواتب.
ومنذ بداية الدورة النيابية في يناير 2022، عقد مجلس النواب العراقي 132 جلسة فقط، في حين ينص النظام الداخلي على عقد 256 جلسة سنويا، كما حدد النظام الداخلي عقد 8 جلسات شهريا، وفصلا تشريعيا يمتد 4 أشهر، بواقع 32 جلسة في كل فصل.
ويُلقي هذا التعطيل بظلاله على المسار السياسي والاقتصادي في العراق، خاصة في ظل وجود مشاكل وتحديات أخرى، مثل الخلافات المستمرة بين بغداد وأربيل والتهديدات الأميركية لحل الحشد الشعبي، وتسليم سلاح الفصائل فضلا عن الوضع الدولي المتوتر والصراع بين إسرائيل وإيران.
ويُشير هذا النمط من الخلافات إلى أن التوافق السياسي لا يزال بعيد المنال، وأن استقرار المؤسسات التشريعية والدستورية لا يزال مهددا.