الأدب النسوي الحميمي في 'ما يحدث في دبي يبقى في دبي'

رواية صوفي غرافيا تعيد تعريف الجمال من خلال صراع البطلة زارا مع جسدها، علاقاتها، وضغوط المجتمع الذكوري، لتكشف هشاشة المرأة المعاصرة في زمن المثالية الرقمية.
ضحى عبدالرؤوف المل
بيروت

تعيد صوفي غرافيا في روايتها "ما يحدث في دبي يبقى في دبي" تعريف الجمال بعيداً عن القوالب النمطية. وهذا يتجلى بقوة من خلال وصف الصور التي عُلّقت على جدران العيادة في النهاية: "كل امرأة منهن لا ترتدي سوى ملابس داخلية، وقد برزت بوضوح الندوب والبثور والسيلوليت وعلامات التمدّد... بدت رؤيتي ملهمةً ومميزة، تباهيهنّ بعيوبهنّ غير نظرتي لجسدي أنا أيضاً". إذ تتحوّل العيادة إلى مساحة اعتراف واعتناق للذات، تتجاوز التجميل نحو التصالح مع الجسد، بكل ما يحمله من آثار الذاكرة والزمان. هل يُمكن للجمال أن يتجاوز المظهر الخارجي ليصبح فعلًا من أفعال الاعتراف بالذات والقبول بها كما هي؟ وكيف أكون نفسي في عالم لا يسمح لي بالضعف، ولا يمنحني مساحة لأكون غير مثالية؟ وهل جسدي مقبول كما هو؟ أم أنني مجبرة على مجاراة معايير الجمال السائدة؟

زارا تجعلنا نطرح الكثير من التساؤلات معها من خلال قلقها المفرط بشأن شكلها، العرق، زاوية الصور، وحتى لون بشرتها مقارنة بسُمرة راج. عودة الحبيب السابق بمظهره "المثالي" تزلزل زارا، وتكشف أن الجرح ما زال مفتوحاً، حتى لو كانت تحاول إنكار ذلك أمام راج وأمام نفسها. إذ تقدّم زارا فكرة تجميلية مبتكرة، لكن راج يرفضها مباشرة، ما يجعلها تتساءل إن كان رأيها يحظى بالاحترام داخل بيئة عمل يهيمن عليها الصوت الذكوري. لكن رغبة زارا بالهدوء والعزلة تتصادم مع ضغط راج وظهور توم، ما يجعلها تشعر بالاختناق في مكان يُفترض أن يكون "للاستجمام". كما أن زارا ترفض "شفاه البطة" و"معايير الجمال المؤثرة"، وتقترح علاجاً فردياً، متسائلة إن كانت الفرادة ما زالت مرغوبة في عالم يعيد إنتاج الوجوه. وتعود مرة أخرى لتفرض علينا تساؤلاتها مجازياً وبشكل استبطاني: هل تجاوزتُ توم حقاً؟ أم أن حضوره يعيد تشكيل هشاشتي؟ هل يؤخذ طموحي على محمل الجد؟ أم يُنظر إليه كمجرد انفعال عابر؟ هل أستطيع الانعزال حين أحتاج، حتى وسط من يسمّون أنفسهم "أصدقاء"؟ هل أملك حق الاختلاف والفرادة؟ أم أنني مطالبة بالتشابه لأُقبل؟ ولكن كل هذه التساؤلات تتجاوز زارا كشخصية، لتعكس أزمة شريحة واسعة من النساء المعاصرات في زمن الصورة، والمثالية الرقمية، والتوقعات الاجتماعية. "هل يمكنني أن أكون حقيقية، غير مصقولة، غير مستعدة، وأن أظل محبوبة ومقبولة؟"

الجسد الأنثوي، كما تصوره زارا، ليس موضوعاً جمالياً فقط، بل هو مساحة صراع. من حرارة الشمس، إلى العرق، إلى طريقة التصوير، إلى المقارنة بين لون بشرتها وسُمرة راج، يبرز الجسد كشيء تُراقبه وتُراقَب به. القلق من المظهر، والخوف من الانكشاف، ومحاولة مجاراة المعايير الخارجية (كما في ارتداء قبعة أو التفكير في زاوية التصوير)، كلها تجسّد كيف تُفرض على النساء رقابة ذاتية دائمة، وهو أحد أهم موضوعات الأدب النسوي. "اشتقتُ إلى كمية الثياب التي كنت أرتديها لأخبئ شكل جسدي البغيض عن العالم." إذ تكشف زارا عن الشعور بالتهديد الدائم من نظرة الآخر، وهو تيمة متكررة في كتابات نسوية مثل أعمال سيمون دو بوفوار ونعومي وولف. فهل كل هذا لأن زارا محاطة برجال مثل راج: المدير، الصديق، وربما "الحليف الذكوري"، لكنه لا يفهمها تماماً؟ ومثل توم: الحبيب السابق، الذي سرق عيادتها، وظهر فجأة مكللًا بالنجاح والمرأة المثالية؟

تعيش زارا تحت ظل قراراتهم، تضحك معهم، تجاملهم، لكنها في عمقها تشعر أنها غير مرئية أو مفهومة. "هل يؤخذ رأيي على محمل الجد؟" وحين تعرض فكرة تجميل موازنة الوجه، يقابلها راج بالرفض لا لأنها فكرة ضعيفة، بل لأنه لا يثق بقدرة السوق أو المجتمع على قبول فرادة نسوية. هذه العلاقة غير المتوازنة بين صوت المرأة وقرار الرجل تتكرر كثيراً في الأدب النسوي، حيث لا تكون المرأة ضعيفة بحد ذاتها، بل يُضعِفها النظام الأبوي المحيط بها. كما أن ظهور كلوديا، "المرأة الفاتنة"، يشعل في زارا غيرة لا تُخفيها. ليست كلوديا شخصية شريرة أو سيئة، لكن زارا ترى فيها النسخة المثالية المفروضة عليها كمقارنة. البيكيني الأبيض، الشعر الأشقر، الضحكة العالية – هذه هي الصورة التي يُحتفى بها. بينما زارا تتصبب عرقاً وتحاول جاهدة أن "تبدو جميلة بما يكفي". هذا المشهد يعكس كيف يُقسَّم المجتمع النساء إلى "فائزات" و"خاسرات" وفق معايير الجاذبية، ويزرع بينهن تنافساً غير عادل، وهذا موضوع تناوله الأدب النسوي من فرجينيا وولف إلى مارغريت أتوود. في النهاية، حين تتظاهر زارا بالنوم وتنساب دموعها، يبلغ النص قمته النسوية إذ تقول: "شعرتُ فجأة وكأنني سجينة هذا الشاطئ" و"أحتاج إلى البقاء وحدي أكثر من أي وقت مضى." فزارا لا تجد مكاناً آمناً للتنفيس أو التعبير، فتنسحب إلى الداخل، إلى دموعها. هذه العزلة العاطفية القسرية تعكس أحد أوجه الأدب النسوي الذي يسلّط الضوء على الصمت المفروض على النساء حين يعجز الآخرون عن فهم معاناتهن. هنا تُجسّد صوفي غرافيا الأدب النسوي في شكله المعاصر الواقعي، حيث الذات الأنثوية تتأرجح بين الثقة والانكسار، وتحاول المرأة أن تُسمَع، أن تُرى، أن تُقدّر، وسط عالم يسعى إلى قولبتها. إذ تنتقد الراوية نمط الجمال المستورد، وتدعو إلى الفرادة، لكنها تجد نفسها مُحاصرة به في كل الاتجاهات.

كما أن العلاقة المعقّدة بين زارا وتوم، العاشق السابق الذي يعود شبحه... وجسده، تُكتب بلغة جسدية وحسية. إذ تدمج صوفي غرافيا لغة الجسد مع وعي نسوي لاذع، تُلخّص الصراع العميق الذي تمرّ به زارا من الرغبة في الحب مقابل الخوف من التكرار، ومن الجاذبية مقابل القوة. وبعيداً عن الثنائية العاطفية بين زارا وتوم، تبرز شخصيتا آندي وآشلي كمرآتين مختلفتين لزارا. هل يمكن للصراع العاطفي بين الحب والخوف من التكرار أن يشكّل تحدياً جوهرياً في مسيرة بناء الذات؟

آندي هو الحضور الرصين، الذكوري غير المهدّد، الذي يعرض المساعدة ويضحك بتواضع. هو "الاحتمال" النقي الذي لا تزال زارا غير قادرة على اعتناقه. أما آشلي، فهي الحليف الأنثوي المُطلق، الشريك الذي يُترجم رؤية زارا الجمالية حرفياً: "أحببتُ كل التفاصيل. لقد فهمت رؤيتي تماماً، لا بل أضافت إليها." إذ تتوازن زارا على خيطٍ رفيع بين الحنين، العقل، والواقع، بين الرغبة في العودة، والحاجة إلى التقدّم. كيف تؤثر العلاقات المختلفة في حياة الإنسان على طريقة رؤيته لنفسه وتكوينه الداخلي؟

المفاجأة الكبرى في ما قبل نهاية الرواية هي نبأ اعتقال "لوك"، الذي يظهر كرمز للماضي العنيف والقاتل. الحدث يبدو مقتحماً للخط السردي، لكنّه يمثل لحظة تحرر رمزية من الماضي. "أصبح في السجن يا زارا... خرج من حياتنا." بعد هذه اللحظة، يبدأ التصعيد الإيجابي المتسارع في الرواية. إننا، من منظور درامي، نشهد تحوّلًا في مجرى السرد، حيث ينفتح العالم أمام زارا. وكأنّ العدوّ الداخلي الذي منعها من النهوض قد اختفى، ليُفسح المجال للشفاء. فهل يمكن أن يكون التحرر من الماضي هو الخطوة الأساسية نحو النهوض وإعادة بناء الذات؟

يتكرر حضور الصور والعدسات والكاميرات في الرواية. هذه ليست فقط أدوات للزينة أو التسويق، بل رموز لهوية جديدة تُبنى. من الصور العملاقة للنساء، إلى صورة زارا على المكتب: "كنت واقفة في وسط الصورة، إلى جانب آندي، لورين وسكايلر، وأسفلنا شعار: الصورة هنا لا توثق لحظة فقط، بل تعيد تأكيد الذات." زارا لم تعد مجرد مديرة، بل أصبحت الوجه الحقيقي لفلسفة العيادة. فكيف تصبح الصورة أداة لإعادة بناء الهوية؟ وما العلاقة بين الذات والظهور في الصور؟

تُشير الرواية إلى "تقنية موازنة الوجه" كابتكار مهني، ومجازي أيضاً. ففي حين يشير المفهوم ظاهرياً إلى علاج تجميلي، إلا أنّه يحمل معنى عميقاً عن "تحقيق التوازن الداخلي". "شعرت أنني أُمكّن النساء، وأشجّعهنّ على احتضان فرادتهنّ، بدلًا من تشجيعهن على الظهور كشخص آخر. إنها دعوة إلى مصالحة النفس قبل إصلاح الملامح." فهل يمكننا اعتبار الجمال الداخلي، الذي يرتبط بالتوازن النفسي، هو الأساس الذي يترجم الجمال الخارجي الحقيقي؟

تصل الرواية إلى ذروتها العاطفية والفكرية في مشهد نشر الإعلان الرسمي للعيادة. هذه اللحظة التي كان يُفترض أن تكون تجارية، تتحول إلى تتويج لمسيرة من التغيير: "وقفتُ أنا وتوم بجانبها، وشاهدنا أظافرها الأكريليك الطويلة تنقر زرّ نشر... كنا نجازف بسمعتنا الراقية لتبني نظرة حديثة إلى عالم الجمال." فالعيادة في الرواية تتحول إلى مساحة تمرد ناعم على التقاليد، لكنها لا تفعل ذلك بالعدوانية، بل عبر الجرأة والصدق. فهل من الممكن أن يكون التمرد الناعم هو الطريقة الأكثر فعالية لتغيير مفاهيم عميقة مثل الجمال؟

لا تكتفي الرواية بإعادة تعريف الجمال، بل تُعيد أيضاً تشكيل العلاقة بين المرأة وجسدها، وبين الذات والمجتمع. من خلال زارا، نعيش تجربة التفكك وإعادة التكوين، ونفهم أن "العيب" هو مجرد زاوية نظر. فهل يمكننا أن نعتبر التغيير في مفهوم الجمال بمثابة بداية جديدة لوجودنا الفردي في العالم؟

هذه رواية الأدب النسوي الحميمي، الذي لا يرفع شعارات كبيرة، لكنه يوجّه نقداً ضمنياً عميقاً للبنية الذكورية، والمثالية الجسدية، وغياب الدعم الحقيقي للمرأة — لا في الحب، ولا في العمل، ولا حتى في الصداقة. فصوفي غرافيا في هذه الرواية لا تمحو الرغبة، لكنها تُخضعها للوعي. لا ترفض الحب، لكنها لا تسلمه القيادة. والأهم، لا تحتفل بالقوة الجوفاء، بل بقوة الشفاء والمواجهة والمصالحة. "هل يخالجكما أحياناً شعور بأن أمراً عظيماً على وشك الحدوث؟" ربما هذا هو الخيط الذي يجمع كل شيء: الإيمان بأنّ الأعظم لم يأتِ بعد، لكنه آتٍ، بالحب، بالمخاطرة، بالفردانية، وبالصور التي لا تخفي شيئاً. فهل يمكن أن يكون الإيمان بما هو آتٍ، بما في ذلك التغيير والتحول، هو القوة المحركة لكل هذا التحول في هذه الرواية؟ وهل معرفة تفاصيل حميمية حياة المرأة بأبسط صورها جعلت من الرواية رؤية نسوية معاصرة في زمن التحديات الكبرى؟