الأقليات الحلقة الأضعف في العراق مع غياب المحاسبة عن اضطهاد الحرب
بغداد - بعد مرور أكثر من 20 سنة لا تزال الآثار الجانبية للحرب العراقية تتزايد على البيئة والصحة العامة وتمثل تأثيرها البالغ على الأقليات مع غياب التدقيق والمحاسبة والتعويض عن الأذى في مرحلة ما بعد غزو عام 2003، وخلال مرحلة حرب تنظيم داعش.
وسلط موقع "وكالة الأنباء الآشورية الدولية" الضوء على واقع الأقليات فيما بعد الحرب، مضيفا أن ذكرى الحرب تشكل فرصة للتفكير في مصير الأقليات في العراق، خصوصاً خلال العقد الماضي، ومسؤولية الأطراف الدولية في عمليات التطهير العرقي وهروب الأقليات.
ولم يتعرض الآشوريين والإيزيديين والشبك لأسوأ أشكال القصف الجوي في العام 2003 ولاحقاً من 2014 إلى 2019، إلا أن هذه المكونات عانت من أنماط أخرى من الدمار تسببت بنزوح وهجرة، خصوصاً السكان المسيحيين، بحسب التقرير.
وكان تقرير بعنوان "تكاليف الحرب" التابع لجامعة بروان الأميركية، خلص إلى أن الغزو الأميركي للعراق وما تبعه من تدخلات، وصعود الجماعات المتطرفة والهجمات الإرهابية، أدت إلى وفاة أكثر من 300 ألف شخص بسبب العنف المباشر.
وأوضح أن نحو ثلاثة أرباع المسيحيين (بما في ذلك المسيحيون الكلدان، والمسيحيون السريان الأرثوذكس، والمسيحيون الأرمن الكاثوليك والرسوليون، والمسيحيون اليونان الأرثوذكس، وكذلك مسيحيو كنيسة المشرق الآشورية والكاثوليك الآشوريون-السريان) هربوا من العراق عبر موجتين منفصلتين، الأولى في 2003-2010 ثم في 2014-2019.
واعتبر التقرير أن التوازنات السياسية التي أقيمت في ظل الاحتلال الذي قادته الولايات المتحدة للعراق، عملت ضد مصالح أصغر الأقليات في العراق، مثل الآشوريين، والصابئة المندائيين والشبك، والتركمان، والإيزيديين.
وأصدرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تقريراً عن الأقليات الدينية غير المسلمة في العراق في العام 2005، يحدد التمييز ضد المسيحيين، خصوصاً في وسط وجنوب العراق، وكذلك الاضطهاد المستهدف ضد المجتمعات المسيحية، والمندائية، والإيزيدية في العام 2004.
وبحسب التقرير فإن عمليات القتل المستهدف لأقليات العراق غير المسلمة بعد صعود داعش، حظيت باهتمام متواصل، إلا أن عمليات الاضطهاد جرت على شكل موجات، وتكثفت خلال ذروة الاحتلال والتمرد.
وبلغت بعض هذه الهجمات المستهدفة ضد مجتمعات الأقليات، مستوى التطهير العرقي من حيث حجم الدمار، مشيراً على سبيل المثال، إلى حادثة قصف قريتين إيزيديتين في العام 2007، تسببت في مقتل نحو 800 شخص وإصابة الآلاف.
وصدر تقرير العام 2008 عن المنظمة الدولية للهجرة، يظهر أن 40 بالمئة من النازحين في نينوى من المسيحيين الآشوريين، و12 بالمئة من المسيحيين الكلدان، و12 بالمئة أخرى من التركمان السنة.
وشهد صيف العام 2014 شهد توسعاً سريعاً لتنظيم داعش في شمال العراق، وبفضل دبابات أميركية الصنع من الموصل والأسلحة المتطورة المسروقة من القواعد الحكومية في سوريا أو المستوردة من تركيا ودول الخليج، تمكن تنظيم داعش من اجتياح الفلوجة والموصل ومناطق سنجار وسهل نينوى وأجزاء من محافظتي بغداد وأربيل.
وعانى الإيزيديون من العديد من المجازر الكبيرة، خاصة في بلدة كوجو، بينما لجأ نحو 300 ألف إيزيدي و200 ألف مسيحي ومئات الآلاف من الأشخاص الآخرين إلى مخيمات للنازحين أو منازل معارفهم أو مبان غير مكتملة، أو فروا إلى الخارج بحثاً عن اللجوء أو التأشيرات.
وبرغم أن مجلس النواب العراق أقر في العام 2021، "قانون الناجيات الإيزيديات" الذي استند إلى إطار للتعويضات، وخصص أموالاً من قانون الأمن الغذائي والتنمية الطارئ للإيزيديين والأقليات الأخرى الذين يقدمون شكاوى جنائية ويوفرون وثائق عن الدمار الذي خلفه داعش، إلا أنه بعد عامين، لم يستفد من هذا المخطط سوى جزء ضئيل جداً من الضحايا.
ودعا التقرير إلى بذل جهود إضافية من خلال المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، مضيفاً أنه "عندما يتعلق الأمر بالعراق، فإن كل من المحكمة الجنائية ومحكمة العدل فشلتا في تأمين العدالة".
وتابع إنه بينما "كان من الممكن وجود قضية قانونية محددة حول تواطؤ الدول الأجنبية في استهداف مجتمعات الأقليات في العراق، إلا أنها لم تتحقق".
وكان بإمكان محكمة العدل الدولية أن توفر منبراً للعراق لطلب تعويضات عن الأضرار الناجمة عن فشل الدول الأخرى في وقف دعم مواطنيها لتنظيمي القاعدة وداعش".
لكن العراق لم يسلك هذا الطريق وربما كان ذلك بسبب إحباطه من العقوبات التي واجهتها نيكاراغوا في دعواها ضد الولايات المتحدة، وجمهورية البوسنة في دعواها ضد صربيا والجبل الأسود، وجمهورية الكونغو الديمقراطية في دعواها ضد أوغندا.
ولفت التقرير إلى أنه لدى المحكمة الجنائية الدولية صندوق مخصص للضحايا لدعم الرعاية الطبية والنفسية لضحايا الفظائع، غير أن المحكمة الجنائية الدولية رفضت مقاضاة الأشخاص من رعايا البلدان التي صادقت على نظام المحكمة، من الذين انضموا إلى الجماعات الإرهابية في العراق أو ليبيا أو سوريا أو اليمن، واستهدفوا السكان المحليين.
وأعلن مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية في العام 2025، أنه على الرغم من انضمام عدة آلاف من "المقاتلين الأجانب" إلى داعش من الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية، إلا أن المحكمة لا تملك القدرة العملية على مقاضاتهم.
ودفع العراق في فبراير/ شباط 2022، آخر ما يتوجب عليه من تعويضات عن حرب الخليج الأولى والذي شمل مبلغ 52.4 مليار دولار من خلال لجنة الأمم المتحدة للتعويضات، والتي وزعت الأموال على الأفراد والشركات والحكومات التي تمكنت من إثبات وقوع أضرار بسبب الغزو العراقي للكويت عام 1990.
وخلال العقود التي تلت الغزو الأميركي، لم تتم محاسبة أي كيان بشكل كاف عن الضرر الذي لحق بالعراقيين أو أقليات العراق.
وشدد التقرير على أن يكون هناك على أقل تقدير "فحص أولي" للأضرار الدولية التي لحقت بشعبهم وأراضيهم والتي سهلتها الدول الأجنبية، بما في ذلك الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية التي خرج منها عناصر داعش.