الأكثرية المضطهدة

لم يكن من المتصور قبل عقد أو عقدين من الزمن أن يتسلل الشعور بالاضطهاد الذي يلازم الأقلية لمجرد كونها أقلية سواء أكانت مضطهدة بالفعل أم لا الى الأكثرية في المنطقة وأعني بها العرب السنة.

فالأقلية سواء أكانت مذهبية أو دينية أو عنصرية تسعى لبناء صورة لذاتها تحمل معنى الاضطهاد اما عبر التاريخ أو في الواقع، وتمتزج تلك الصورة مع معنى التهديد فهي مهددة دائما بالابادة أو التهجير أو التذويب القسري.

مثل تلك الصورة ضرورية للأقلية للمحافظة على كيانها كأقلية، اذ لا يكفي المعتقد المذهبي أو الديني، كما لا يكفي التميز العنصري واللغوي للمحافظة على الكيان الذي يعتبر الهدف الأسمى غير المعلن للجماعة.

بخلاف الأكثرية، تكون الأقلية دائما مزدوجة الولاء للأفراد، فهناك الولاء للعام الذي هو الوطن أو القضية أو الجماعة الأكبر (كالقومية) وهناك الولاء للخاص الذي هو كيان الأقلية ووجودها.

وفي حين يكون الولاء الأول صريحا، معلنا، مرتبطا بالعقل والتفكير المنطقي، فان الولاء الآخر يكون مضمرا، خفيا، داخليا، وغير منطقي، لكنه مع ذلك أبعد غورا في أعماق النفس.

ومن أجل تسوية التناقض ما بين الولاء الأول والثاني تلجأ الأقلية حين تكون الفرصة مناسبة الى التعبير عن ذاتها بكيان خاص بها، لتستقل عن الأكثرية استقلالا تاما، فتكف عن كونها أقلية اجتماعية لتصبح دولة محمية بالمواثيق الدولية والدول الكبرى.

لكن ذلك لايكون متاحا في كثير من الأحيان، لذا تلجأ الأقلية للحلول البديلة: فهي اما أن تتمتع بحماية قوى خارجية نافذة، أو أن تتسلل لمراكز النفوذ المالي والاقتصادي والعسكري ومن ثم السياسي.

وللأسف فان الولاء الداخلي المضمر هنا والذي يتمثل في حفظ كيان الجماعة يتغلب في كثير من الأحيان على الأهداف الأخرى حين يتصارع معها مهما كانت سامية ونبيلة أو مبررة بالتفكير العقلاني.

ان الشعور بالاضطهاد والخوف من الابادة هو الوقود الذي يدفع جماعة الأقلية للحفاظ على ذاتها، لذا فحتى لو لم تكن مهددة فعلا فلا بد من وجود ذلك الشعور لاستمرار الكيان والمحافظة عليه.

وضمن كل أقلية هناك الكهنة الذين كرسوا أنفسهم لقضية الأقلية، وهم في الغالب رجال دين، لكن ذلك لا يمنع أن يكونوا غير ذلك كحال الأقلية الكردية.

تعرف الأقليات دائما المنشقين وهم رجال أذكياء وشجعان، استطاعوا ببعد نظرهم رؤية محدودية النزعة الأقلياتية وسقمها وانتمائها للماضي، وهم ليسوا خونة لجماعتهم بل على النقيض من ذلك فهم يريدون تخليص الجماعة من عزلتها ومن آثار الماضي، وفتح الطريق أمامها نحو المستقبل باعادة دمجها بالمحيط حولها، ومن أجل ذلك فهم دائما على خصومة شديدة مع كهنة الجماعة الذين يكرسون أنفسهم لتعميق الحدود بينهم وبين المحيط بدعوى الخوف على الجماعة والحفاظ على كيانها.

لا تعرف الأكثرية البناء النفسي للأقليات، فهي ليست قلقة لوجودها، كما أنها لا تشعر بالاضطهاد، ومن أجل ذلك تكثر الانقسامات في صفوفها، وتشكل تلك الانقسامات البيئة المناسبة للأقليات للحصول على مراكز نفوذ ضمن المجتمع لا تتناسب مع حجمها النسبي.

منذ غزو العراق واحتلاله من قبل أميركا، ومن ثم تكريس البنية الطائفية للدولة والحكم، شعر السنة في العراق والمنطقة العربية بأنهم مستهدفون كما لم يستهدفوا من قبل. فالاستعمار البريطاني لم يستهدف السنة في العراق، بل وجد بالتجربة أن من الأفضل لاستقرار العراق ككيان سياسي اعطاء السنة النصيب الأوفى من الحكم، وأن ذلك ينسجم مع البنية الاجتماعية الطبقية للعراق الموروثة من العهد العثماني، وأعطى ذلك للسنة شعورا بامكان عقد صداقة مع الغرب، ونشأت ضمن ذلك المناخ نخب عراقية غربية الثقافة والهوى لكن تلك النخب سرعان ما انهارت أمام زحف التيارات القومية واليسارية التي قلبت الطاولة وأعادت خلط الأوراق السياسية خاصة بعد كارثة فلسطين.

أما الاحتلال الأميركي فقد كان فظا في تدميره للدولة العراقية، كما كان فظا في تجريد السنة من كل مفاصل النفوذ في العراق ووضعها بيد الشيعة.

وبعكس الخيار البريطاني الهادئ والذي راعى التطور الاجتماعي والتاريخي في التعامل مع الطوائف في العراق فقد كان الخيار الأميركي عنيفا، قاسيا، لا يمتلك الرؤية التاريخية والاجتماعية، ولذا كان بحاجة لاستنفار أكثر المشاعر طائفية وعنفا لتكريسه وحمايته.

وبالطبع فقد واجه مشروع الاحتلال الأميركي الطائفي مقاومة شرسة للغاية أدت في النهاية لخروج الجيش الأميركي من العراق وبروز نزعة الانكفاء عن التدخل الخارجي في السياسة الأميركية.

أما على الصعيد العراقي الداخلي فقد أدى مشروع الاحتلال الأميركي الطائفي لفقدان الاستقرار بصورة تامة، ووضع العراق في حالة حرب أهلية لا تكاد تهدأ حتى تنفجر مرة أخرى، وقد أصبح واضحا أن الفريق الطائفي الشيعي الحاكم غير قادر على ادارة البلاد بالروح الطائفية التي يحملها في بنيته التكوينية وبفساده وسوء ادارته، كما أصبح واضحا أن بقاءه في السلطة مرهون باذكاء الطائفية من جهة وبالدعم الأميركي غير المحدود من جهة أخرى.

أدرك السنة العرب متأخرين أن اضطهاد سنة العراق واخراجهم من كافة مفاصل الحكم والنفوذ في العراق ليس فأل خير لهم لكنهم لم يشعروا بالخطر حتى انفجرت الثورة في سوريا، ثم تحولت بفعل العنف البالغ الذي واجهها به النظام الحاكم لمواجهة مسلحة سرعان ما بدأت تأخذ منحى طائفيا.

أما في لبنان فقد حدث انقلاب حقيقي في خارطة القوى المسيطرة على القرار السياسي حين ارتد حزب الله من المواجهة مع اسرائيل الى مواجهة داخلية لانتزاع السلطة بالقوة مستخدما القوة العسكرية والتعبئة التي كان يكرسها لمواجهة اسرائيل، وكأن تلك المواجهة لم تكن سوى مرحلة تمرين واعداد للمواجهة الحقيقية التي وجدت غايتها في وضع اليد على الدولة اللبنانية وازاحة طائفة والحلول مكانها في السلطة بغض النظر عن الواجهات والألقاب.

ما حدث في العراق ثم في لبنان وسوريا وأخيرا في اليمن، بدعم أميركي واضح وصريح في حالة العراق وتواطؤ لا يخفى في حالة سوريا ولبنان وتواطؤ في السر في حالة اليمن وكذا في انهاء الخلاف النووي مع ايران وبدء مرحلة جديدة من التفاهم معها لاعطائها دور الوكيل في المنطقة كما كانت ايران في عهد الشاه على حساب العرب، وباستخدام السلاح الطائفي، كل ذلك جعل السنة في المنطقة يشعرون بالخطر الشديد وبأنهم يتعرضون لمؤامرة واسعة متعددة الرؤوس والعواصم لن تنتهي سوى باقتلاعهم كما حدث لسنة العراق وسوريا.

هكذا لم يعد السنة تلك الأكثرية الواثقة من نفسها، المطمئنة لتاريخها، بل أصبحوا طائفة مضطهدة مستهدفة مخيرة بين الموت أو الهجرة عن طريق البحر، أو الارتداد نحو الصحراء في عزلة وضعف ليحكمهم متشددون خارجون من أعماق التاريخ.