الأمم المتحدة تكشف مقتل معارضين ومهاجرين في مراكز احتجاز بليبيا

تقرير أممي يتحدث عن نمط مستمر من الاعتقالات والاحتجازات التعسفية، والقتل خارج نطاق القضاء، والاختفاء القسري، وجميعها تُرتكب دون عقاب.
مسؤولة أممية تشير الى الى انتهاكات جسيمة في مراكز احتجاز تديرها قوات أمن في طرابلس
التقرير يشير الى أن مراكز احتجاز المهاجرين تحولت الى مواقع للاتجار بالبشر

طربلس - كشفت الأمم المتحدة، خلال جلسة رسمية في مجلس حقوق الإنسان بجنيف، عن تورط أجهزة أمنية ليبية تابعة لحكومة الوحدة الوطنية، برئاسة عبدالحميد الدبيبة، في سلسلة من الانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان، استهدفت معتقلين سياسيين ومهاجرين غير نظاميين، من بينها حالات وفاة مشبوهة واختفاء قسري وتعذيب ممنهج.
وخلال حوار تفاعلي حول التعاون الفني مع ليبيا، ضمن الدورة الستين لمجلس حقوق الإنسان، استعرضت نائبة مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، ندى الناشف، نتائج تقرير أممي جديد يرصد أوضاع حقوق الإنسان في البلاد بين مارس/اذار 2024 وسبتمبر/أيلول 2025. وأكدت الناشف أن الأمم المتحدة تحقق حاليًا في وفاة 20 محتجزًا داخل مراكز تابعة لأجهزة أمنية، مشيرة إلى أن العديد منهم كانوا معروفين بمواقفهم المعارضة للسلطات القائمة.
وقالت الناشف إن مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة وثق نمطًا ممنهجًا من الاعتقالات التعسفية والانتهاكات الجسيمة، تشمل القتل خارج إطار القانون، والتعذيب، والإخفاء القسري، موضحة أن هذه الانتهاكات "تُرتكب دون أي مساءلة قانونية، في مناخ يشجع الإفلات من العقاب".
وفي ذات السياق، أشارت إلى أن المكتب الأممي نفذ خمس زيارات ميدانية لمراكز احتجاز داخل ليبيا خلال الفترة المشمولة بالتقرير، كما نظم برامج تدريب متخصصة للقضاة، وأعضاء النيابة، ومسؤولي السجون، في محاولة لتعزيز الالتزام بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان. غير أن هذه الجهود، بحسب قولها، تصطدم بغياب إرادة سياسية حقيقية للتغيير، وبتوسع نفوذ الجماعات المسلحة المنخرطة بشكل مباشر في عمل الأجهزة الأمنية الرسمية.
وأبرز التقرير ما وصفه بـ"الوضع الكارثي" في مراكز احتجاز المهاجرين واللاجئين، التي تتحول – وفق وصف الناشف – إلى مواقع للاستغلال الممنهج والاتجار بالبشر والانتهاكات الجسدية والجنسيّة.
وقالت "يتعرض المهاجرون في ليبيا إلى حلقات متكررة من الاحتجاز غير القانوني، والابتزاز، والعمل القسري، في إطار نموذج اقتصادي قائم على الاستغلال"، مشيرة إلى أن ذلك يتم أحيانًا بعلم وتواطؤ بعض أفراد قوات الأمن.
وأضافت أن الأمم المتحدة وثقت اكتشاف مقابر جماعية داخل مقرات احتجاز رسمية في طرابلس خلال هذا العام، ووصفتها بأنها "أدلة صادمة على عمق الأزمة الإنسانية والانتهاكات المرتكبة ضد المحتجزين"."
ورحبت الناشف بإعلان حكومة الدبيبة قبول اختصاص المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق في الجرائم المرتكبة على الأراضي الليبية منذ عام 2011 وحتى نهاية 2027، لكنها شددت على ضرورة أن يتبع هذا الإعلان خطوات عملية جادة، داعية طرابلس إلى "تقديم الدعم الكامل للمحكمة، والتعاون مع التحقيقات الجارية".
ورأت المسؤولة الأممية أن المساءلة يجب ألا تكون مجرد تصريحات إعلامية، بل التزامًا عمليًا بتمكين القضاء الوطني والدولي من محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
وفي ما يتعلق بالسياق السياسي، أكدت الناشف أن أي حل دائم للأزمة الليبية يجب أن يقوم على ركائز العدالة، والمصالحة، واحترام الحريات العامة وحقوق الإنسان، منتقدة في الوقت نفسه استمرار الاعتداءات على الفضاء المدني.
وقالت "نشهد اليوم حملة منظمة تستهدف الناشطين، والصحفيين، والمعارضين، وأفراد المجتمع المدني، بغرض إخراس الأصوات المستقلة، وفرض حالة من الخوف السياسي". وأكدت أن هذه السياسات تتناقض تمامًا مع متطلبات بناء مؤسسات شرعية وتمهيد الطريق لعملية انتخابية نزيهة.
ورغم قتامة المشهد الحقوقي، اعتبرت الناشف أن الإعلان الأخير لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بشأن خارطة طريق جديدة للعملية السياسية يمثّل فرصة نادرة لإنهاء الجمود السياسي، شريطة أن يكون مصحوبًا بضمانات لحقوق الإنسان والمساءلة.
ودعت نائبة المفوض السامي جميع الأطراف إلى المشاركة في حوار وطني شامل لا يقصي أحدًا، يضم النساء والشباب والأقليات وذوي الاحتياجات الخاصة، إضافة إلى الناجين من الانتهاكات وأسر الضحايا.
وقالت إن الاستعراض الدوري الشامل لليبيا، المقرر في نوفمبر/أيلول المقبل، يشكل محطة مهمة لمواصلة الضغط الدولي من أجل تحسين أوضاع حقوق الإنسان، وتحفيز السلطات على الالتزام بتوصيات مجلس حقوق الإنسان والمجتمع الدولي.
ويؤكد تقرير الأمم المتحدة الأخير أن الوضع الحقوقي في ليبيا وبلتحديد في المنطقة الغربية لا يزال بالغ الخطورة، وسط تفاقم الانقسامات الداخلية، وتمدد نفوذ المجموعات المسلحة، وغياب المحاسبة القضائية. وفيما تسعى السلطة التنفيذية لتلميع صورتها على المستوى الدولي عبر إعلان التعاون مع المحكمة الجنائية، تظل الوقائع الميدانية تثبت أن الطريق إلى العدالة في ليبيا ما زال طويلاً ومعقدًا، ويحتاج إلى إرادة حقيقية لا شعارات مؤقتة.