الأمهات والرضع يعانون أسوأ أوضاعهم مع شح الغذاء والدواء في غزة
جنيف – قالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف" الجمعة إن الأمهات والرضع حديثي الولادة في غزة يواجهون ظروفا صعبة وسط شح المواد الطبية واكتظاظ مجمع ناصر في جنوب القطاع بالمرضى الفارين من الشمال.
وذكر المتحدث باسم المنظمة جيمس إلدر للصحفيين في جنيف عبر رابط فيديو من غزة "لم يكن وضع الأمهات وحديثي الولادة في غزة أبدا أسوأ مما هو عليه الآن. في مجمع ناصر، نرى ممرات المستشفى مكتظة بالنساء اللاتي وضعن للتو".
وقالت منظمة الصحة العالمية إن النظام الصحي على وشك الانهيار. وأفاد ريك بيبركورن ممثل المنظمة في الأراضي الفلسطينية المحتلة إنه لم ير مستشفى ناصر مكتظا بهذا القدر من قبل، إذ يفر المرضى من مدينة غزة، قلب الهجوم العسكري الإسرائيلي الموسع، نحو جنوب القطاع.
وطلبت إسرائيل من سكان مدينة غزة، البالغ عددهم مليون نسمة، التوجه جنوبا مع شنها أحد أكبر عملياتها الهجومية في الحرب هذا الشهر، متعهدة باجتثاث مقاتلي حركة حماس مما تصفه بأنه آخر معاقلهم في أكبر منطقة حضرية في القطاع.
وقال بيبركورن "في كل ممر ترى حشايا ومرضى على الأرض. هناك زيادة هائلة"، مضيفا أن عددا كبيرا من المرضى يأتون من الشمال.
ووفقا لمنظمة الصحة العالمية، لم يتبق سوى 14 مستشفى فقط من أصل 36 مستشفى في غزة تعمل جزئيا.
ووصف إلدر مشاهد الأمهات الجدد وأطفالهن حديثي الولادة وهم يرقدون على الأرض في مستشفى ناصر، وأفاد أيضا بأنه رأى ثلاثة أطفال خدج يتشاركون مصدر أكسجين واحد.
ولم تنم مدينة غزة المحاصرة، الليلة الماضية، تحت وابل من الغارات الإسرائيلية التي طالت أحياء الرمال والدرج والتفاح والزيتون والصبرة وتل الهوى، محولة سماءها إلى دخان ونيران.
ومع هذه الغارات المتواصلة، يشتد الخناق على المواطنين تحت حصار إسرائيلي يمنع دخول الغذاء والدواء والوقود، لتتضاعف معاناتهم في وقت تسعى فيه تل أبيب إلى احتلال المدينة وتهجير أهلها قسرا.
وفي 8 أغسطس/ آب الماضي، أقرت حكومة إسرائيل خطة طرحها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، لإعادة احتلال قطاع غزة بالكامل تدريجيا، بدءا بمدينة غزة، التي يسكنها نحو مليون فلسطيني.
وبعد ذلك بـ3 أيام، بدأ الجيش الإسرائيلي هجوما واسعا على مدينة غزة، شمل تدمير منازل وأبراج وممتلكات مواطنين وخيام نازحين، وقصف مستشفيات، وتنفيذ عمليات توغل.
ومنذ ذلك الحين، يعيش أهالي المدينة في أجواء خانقة؛ الدخان يغطي معالمها، ورائحة البارود تملأ الأجواء، بينما تواصل طائرات "الكوادكابتر" بث أوامر الإخلاء نحو الجنوب.
وعلى الأرض، تحولت شوارع أحياء الزيتون والصبرة وتل الهوى إلى ساحات نار بعد تفجير الجيش لمنازل وبنايات بآليات مفخخة، حتى بات البقاء أو مجرد التنقل مغامرة قد تنتهي بالموت.
وهذا الخراب ترك الفلسطينيين يواجهون مصيرا قاسيا؛ بلا مأوى ولا غذاء ولا دواء، وتحت قصف لا يتوقف، ما دفع كثيرين إلى المجهول.
ومع انهيار البنية التحتية وانقطاع الإمدادات، لم يبق أمام آلاف الأسر سوى ما تبقى في البيوت من معلبات بسيطة، وهي كميات آخذة بالنفاد يوما بعد يوم، فيما المجاعة تزحف على الأحياء، والطحين أصبح عملة نادرة تضاعفت أسعاره، بينما الخروج للبحث عنه قد ينتهي بالموت تحت القصف الإسرائيلي.
وزاد من حدة المأساة إغلاق الجيش الإسرائيلي "شارع الرشيد"، الشريان الساحلي الوحيد المتبقي للمدينة، ما أدى إلى توقف آخر قنوات الإمداد وترك غزة في عزلة شبه كاملة.
وحذر مدير المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إسماعيل الثوابتة الخميس، من كارثة إنسانية وشيكة تهدد مئات آلاف السكان، مشيرا إلى أن إسرائيل أطبقت الحصار بعدما أغلقت أيضا معبر "زيكيم" قبل شهرين الذي كان المنفذ لدخول المساعدات نحو الشمال.
والأربعاء، أعلن الجيش الإسرائيلي منع تنقل الفلسطينيين من وسط وجنوب القطاع إلى شماله عبر "شارع الرشيد" الذي يربط أجزاء القطاع على امتداده الغربي، في خطوة جديدة لتشديد الحصار وعزل المناطق عن بعضها.
ويمثل الشارع، الطريق الساحلي الرئيس الذي يربط شمال القطاع بجنوبه، ويعتمد عليه الفلسطينيون في تنقلاتهم، خاصة بعد إغلاق الجيش الإسرائيلي "شارع صلاح الدين" شرق القطاع خلال الإبادة.
وفي 25 يناير/كانون الثاني 2025 انسحب الجيش من "محور نتساريم" الممتد بين "شارع الرشيد" حتى "شارع صلاح الدين"، ما سمح بعودة تدريجية لأكثر من نصف مليون نازح فلسطيني إلى شمال القطاع عقب وقف لإطلاق النار لم يصمد نظرا لتنصل إسرائيل واستئنافها الإبادة بحق الفلسطينيين في 18 مارس/آذار 2025.
والأربعاء، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، إن الجيش يحكم حصاره على مدينة غزة التي يقطنها نحو مليون فلسطيني بعد إكمال السيطرة على محور "نتساريم".
ويبقى معبر كرم أبو سالم شرقي مدينة رفح، الخاضع لسيطرة إسرائيل، المنفذ الوحيد لدخول المساعدات والبضائع إلى القطاع، وبكميات شحيحة.
وقالت نهى عساف (62 عاما)، وهي فلسطينية مقعدة نزحت من منطقة الساحة وسط غزة إلى خان يونس، "نزحت من غزة بسبب القصف الإسرائيلي والإنذارات المتتالية والتهديدات بالإخلاء"، وأضافت: "النزوح كان صعبا، الشوارع مدمرة ومليئة بالركام، وأنا على كرسي متحرك أتنقل بين الأنقاض".
وأوضحت أنها، خرجت بلا طعام ولا شراب، فقط بدافع الخوف.
وتتقاطع شهادتها مع رواية عدلي السلطان، الذي نزح مرات عديدة، قائلا "لا نعرف النوم بسبب القصف الإسرائيلي في كل مكان". وأردف "لا توجد سيارات إسعاف، وطائرات الكواد كابتر تطلق النار باستمرار، الحياة في غزة ليست حياة".
ولفت السلطان إلى أن الحصول على الطحين أصبح شبه مستحيل، والتنقل بحثا عنه قد يكلف الإنسان حياته جراء الهجمات الإسرائيلية.
من جانبها، قالت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، في بيان على منصة إكس "يواصل عشرات الآلاف من لاجئي فلسطين مواجهة نزوح متكرر"، وأضافت "تجبر العائلات على مغادرة منازلها، غالبا بتكلفة شخصية باهظة، بينما يظل الوصول إلى الغذاء والماء والأمان محدودا".