الأمية في سوريا إلى ازدياد

دمشق ـ من حسن سلمان
استنفاد سنوات الرسوب، بطالة مقنَّعة

رغم الاهتمام الكبير الذي تبديه سوريا بقطاع التعليم،غير أن الأمية ما زالت تسجل مستويات مرتفعة في هذا البلد الذي يفوق عدد سكان 22 مليون نسمة حسب مكتب الإحصاء المركزي في سوريا.

وكان المركز أصدر العام الماضي تقريراً متفائلاً قدر فيه نسبة الأميين في سوريا بحوالي 5 بالمئة من عدد السكان الذين تجاوز أعمارهم 15 عاماً، مشيراً إلى أن معدل انتشار الأمية ينخفض بنسبة 8 بالمئة سنوياً، وهذا سيؤدي بدوره إلى اختفاء الأمية من سوريا بحلول عام 2015، حسب بيانات المركز.

في حين تؤكد بعض التقارير غير الرسمية أن الأمية في سوريا تتجاوز 20 بالمئة من عدد السكان، مشيرة إلى أن الجهات الحكومية تعرف الأمي بأنه "الفرد الذي يبلغ سن الـ 18 ولا يعرف القراءة والكتابة"، متناسية "الأمية المقنّعة" التي تنتشر في عدد كبير من المدن السورية.

ويشير الباحث الاجتماعي د.طلال مصطفى أن نسبة الأمية في سوريا تتجه نحو الارتفاع وليس العكس، مشيراً إلى أن الأرقام التي تعتمدها الجهات الرسمية في إحصائياتها تشمل فقط من لا يدخل المدرسة أو يتسرب منها في مرحلة التعليم الأساسي.

ويضيف "ثمة عدد كبير من الأشخاص في المناطق الريفية ينهون مرحلة التعليم الأساسي وهم لا يعرفون القراءة والكتابة، وهؤلاء عادة ما يسجلون في المكتب المركزي للإحصاء على أنهم في عداد من يقرأ ويكتب وبالتالي هم ليسوا أميين، رغم أن نسبتهم عالية جداً".

ويشير مصطفى إلى وجود خلل في نظام التعليم الأساسي في سوريا، حيث يُنقل الطالب الراسب في صفه لعدة سنوات في بعض المدارس إلى الصف الأعلى بسبب "استنفاد سنوات الرسوب".

ويضيف "لقد قمت بالتدريس في المرحلة الابتدائية سابقاً، وكنا ننقل الطالب إلى الصف الخامس أو السادس لاستنفاد سنوات الرسوب حتى ولو كانت جميع درجاته ضعيفة، واستناداً إلى هذا النظام يتخرج كثير من الطلبة دون أن يستطيعوا القراءة والكتابة، ولكنهم في السجلات الرسمية لا يعدّون أميين".

وكانت وزارة الثقافة السورية وضعت مؤخراً استراتيجية عامة لمحو الأمية تهدف إلى "الوصول بالأمي إلى مستوى ثقافي وتعليمي يؤهله لقراءة فقرة في صحيفة أو إعلان وفهمه والتفاعل معه".

وأشار مدير تعليم الكبار في الوزارة عبد الفتاح العبيد في تصريح لصحيفة رسمية إلى أن الاستراتيجية تقوم على رصد واحد بالمئة من موازنة الدولة لمشروع مكافحة الأمية، إضافة إلى حملات إعلامية تستهدف الأميين وتحفّزهم على التعلم، فضلاً عن إنشاء مراكز خاصة في عدد من القرى بهدف الاستفادة من المتعلمين في تلك المناطق للقضاء على الأمية.

وفيما احتفلت ثلاث محافظات سورية (القنيطرة- السويداء- طرطوس) بخلوها من الأمية، ما تزال بعض المحافظات الشرقية في سوريا تسجل نسبة مرتفعة من الأمية تفوق 8 بالمئة حسب تقرير المكتب المركزي للإحصاء في سوريا.

ويؤكد التقرير أن نسبة الأمية مرتفعة لدى الإناث أكثر من الذكور، مشيراً إلى أن الريف يتفوق على المدن بانتشار نسبة الأمية، كما يؤكد أن المهن الزراعية تستقطب أعلى نسبة من الأميين (58 بالمئة)، فيما تحظى المهن الأخرى بنسبة أقل تتراوح بين 9 و13 بالمئة.

ويشير د.طلال مصطفى إلى وجود فجوة تاريخية بين الريف والمدينة في سوريا مبررا ذلك بأن الأول يعتمد على الزراعة وتربية الحيوانات، وهذا يحتاج إلى مشاركة جميع أفراد الأسرة في العمل، "وبالتالي يستغل الأهل وجود أبنائهم لمساعدتهم في العمل، ويبدون اهتماماً ضعيفاً بتعليمهم".

ويضيف "لا شك أنه في السنوات الأخيرة حدث نوع من الإحباط بشكل عام لدى الأهل لتحفيز أبنائها للتعليم، وربما يعود ذلك إلى وجود نسبة عالية من البطالة لدى خريجي الجامعات، وهذا الأمر جعل شريحة لا بأس بها من المجتمع تنظر بشكل بخس إلى التعليم، وانعكس ذلك -إلى حد ما- على عملية تحفيز تعليم الأبناء وهذه مسألة متفاوتة بين المدن، ولكننا نجدها لدى المدن التي تحوي مهنا تجارية وصناعية أكثر من تلك التي تعتمد بشكل أساسي على الدخل الوظيفي".

ويقترح مصطفى أن يتم إصدار قرار يُلزم جميع المتعلمين الراغبين بالحصول على أي وثيقة هامة (شهادة جامعية-جواز سفر) بإحضار وثيقة تثبت أنهم قاموا بمحو أمية شخص واحد على الأقل، مشيدا بالمرسوم الذي صدرا مؤخرا والذي يقضي بتخفيض الخدمة الإلزامية في سوريا لمدة 3 أشهر، باستثناء أولئك الذين لا يمتلكون شهادة أو وثيقة تثبت تخرجهم من مرحلة التعليم الأساسي".

ويضيف "إذا كنا نريد حقيقة أن تنتهي الأمية من سوريا بحلول عام 2015، فلابد من مساهمة جميع المؤسسات الإعلامية والتعليمية في سوريا في محو الأمية، إضافة إلى إعادة النظر ببعض قوانين التعليم السابقة، وخاصة موضوع ترقية الطالب إلى الصف الأعلى بشكل ميكانيكي، واستبداله ـ على سبيل المثال ـ بإجراء دورة إجبارية في الصيف".