الأول دائماً...
قبل كتابة هذه السطور، وحيال أصوات حزب البارزاني (الحزب الديمقراطي الكردستاني) ومقارنتها مع أصوات ثلاث ائتلافات عراقية أخرى، سألت نفسي: ماذا لو كان عدد الكرد في العراق مساوياً للعدد الحالي للعرب، وعدد العرب مساوياً للعدد الحالي للكرد؟ وبعد عمليات حسابية بسيطة، تبيّن أن عدد أصوات حزب البارزاني، في تلك الحالة، كان سيزيد على سبعة ملايين صوت وأن عدد أصوات كلّ من ائتلافات وتحالفات السوداني والمالكي والحلبوسي لا يصل إلى اثني عشر ألف صوت.
من خلال التأمّل ومراجعة ما حصل خلال الحملات الانتخابية في كردستان والعراق، يمكن القول إنّ تجاوز البارتي عتبة المليون صوت لم يكن صدفة كما يروّج البعض، لأنه (أي البارتي) فاق في فن إدارة الأزمات وعبورها وفق خطط مدروسة بدقة ومهنية، متقدّماً على أحزاب كثيرة، وبقرارات منطقية نابعة من قوة العقل والحكمة.
فقد استطاع أن يكون نموذجاً لقصة نجاح في منطقة مليئة بالعنف والاضطرابات والأزمات، واعتدنا على أن يفوز بالمرتبة الأولى في جميع الانتخابات التي جرت في كردستان والعراق. وكان فوزه هذه المرة أمرا متوقعاً بالنسبة للكردستانيين، وكذلك للذين يراقبون وضع الإقليم، فمسيرته الطويلة وإنجازاته التي ارتكزت على الأولويات المهمة والخبرة والعمل الجاد والإدارة الناهضة، وتاريخه النضالي، وانتهاجه مساراً حكيماً في التعامل مع مختلف الأطياف من قوميات وإثنيات تعيش على أرض كردستان، منحته الأحقية في القيادة والريادة، ودفع الناخب الكردستاني والعراقي لاختياره والتصويت له.
ومن يظن غير هذا، والظن هنا كله إثم، ويتجاهل أن البارتي (الحزب الديمقراطي الكردستاني)، منذ تأسيسه على يد البارزاني الخالد في أربعينيات القرن الماضي، يواصل مسيرته الهادئة نحو الذرى دون كلل أو ملل، عليه أن يعلم أن البارتي حزب سياسي ونهج ثابت للبارزاني الخالد، ومدرسة ورمز للتميّز والتفوّق في عالم السياسة. حزب يشتهر بتاريخ حافل بالإنجازات والبطولات والمواقف الشجاعة والقرارات الحكيمة، ويتميّز بتقديم مستويات عالية من الأداء السياسي، ويضم في صفوفه أناساً يتميّزون بالولاء الشديد للوطن، ويعبّرون عن هذا الحب من خلال التمسك بتطبيق الدستور والدفاع عن حقوق الإنسان والديمقراطية والفدرالية. وهذا يجعل تأييده والانتماء إليه مصدر فخر واعتزاز لدى جميع المكوّنات القومية والدينية.
فوز البارتي بأكثر من مليون صوت هو قرار قيادي وسياسي وشعبي، وانتصار انتخابي استراتيجي، وحدث كردستاني وعراقي نادر، يعكس التأثير الكبير للبارتي، وفاعليته السياسية وقدرته الفائقة على المنافسة الشريفة والتفوّق في الأداء السياسي. كما يعيد ترتيب موازين القوى ويرسم الخارطة السياسية في كردستان والعراق، ويُعد نقطة انطلاق جديدة ومكسباً وانتصاراً لكردستان والعراق، ومصدراً للفخر لكل من شارك في العملية الانتخابية.
وختاماً نقول: لا بد من احتفال الكردستانيين والعراقيين بفوز البارتي والتعامل مع هذا الفوز بروح المسؤولية، ودفن الخلافات المفتعلة، وعدم الإقدام على إثارة الحساسيات والمخاوف بالتصريحات غير المسؤولة، أو الهروب نحو الأمام عبر إثارة موضوعات يمكن حسمها بالقانون والدستور. كما لا بد من حسن التصرّف والتفاهم على القواسم المشتركة والأولويات المطلوبة، والابتعاد قدر المستطاع عن محاولة إمساك العملية السياسية من عنقها، أو عرقلة فتح باب البرلمان. خاصة أننا نرى غيوماً سوداء تتجمع في أفق المنطقة، ونتوقع تغييرات في توازن القوى بين الأقوياء، والتعرّض لمؤامرات وشرور الذئاب الكاسرة التي تتحيّن الفرص لتنقلب علينا وعلى وطننا.