الإرهاب ونظرية المؤامرة

في ذم حقارة فعل الإرهاب والإرهابيين، ليس هناك من جديد سوى في العناوين والأماكن المتغيرة التي تطالها مخططاتهم القذرة، فقد صار ألم العرب والمسلمين ووجعهم الدائم، هو هذا الخطر الداهم الذي لا خلاص منه إلا بالدم، حتى بت أشعر أننا في هذا الشرق البائس، واقعون لا محالة في محرقة نظرية المؤامرة، فقد شهد يوم الجمعة الماضية عدة جرائم دامية: من مسجد الإمام الصادق في منطقة الصوابر وسط مدينة الكويت، إلى فندق "امبريال" في مدينة سوسة التونسية، ثم الصومال لتوقع مئات الضحايا الأبرياء.

ولا شك أن جرائم الإرهاب هذه، أيا تكن نتائجها، هي مبعث خوف وقلق من الجميع على استقرار وسلامة الوطن، وأمن المواطن. وهي أيضا تستدعي مواجهات وتضحيات، تؤدي في الغالب إلى إزهاق مزيد من الأرواح العزيزة، عدا الجرحى والخسائر الأخرى المادية والمعنوية.

ويقينا أن كل مواطن غيور على مصلحة بلاده ومستقبلها سينظر بعين العطف والتقدير للجهود التي تبذل هنا أو هناك للقضاء على ظاهرة الارهاب والعنف، وبخاصة الدور الكبير والهام الذي يضطلع به رجال الأمن، في مختلف المناطق والساحات، من أجل توفير الإستقرار وحماية الأعراض والمال، وكسر حاجز الخوف لدى الناس.

لكننا، وكما أشرنا في مقالات سابقة، أن المواجهة مع الإرهاب ينبغي أن لا تقتصر على خندق واحد، وتدع الخنادق الأخرى مكشوفة دون حراسة، وقابلة للإختراق. بمعنى آخر، فإنه مع تسليمنا بأن الحل الأمني هو أمر لا مفر منه، لكن الإكتفاء به ربما يضعف من قدرة عناصر التخريب على العمل، ويشلها لفترة ما، ولكنه لا يحل المشكلة، ولا يتصدى جذريا لمعالجتها.

ينبغي أن يكون هناك مشروع استراتيجي قومي شامل لمواجهة الإرهاب، يتخطى التشرنق في أوساط النخب المثقفة، ليصبح مشروعا عربيا، يزج بطاقات الشعب كله في المواجهة الشاملة الكبرى للإرهاب.

ولعل من أهم خطوات المعالجة الجذرية لقضية الأمن في وطننا، والتي ينبغي البدء بها، تفكيك ظاهرة الإرهاب، ومعرفة القواعد الفكرية التي يستند عليها، والعناصر المجتمعية التي يزج بها في هذه المحرقة، والظروف الإجتماعية والإقتصادية التي أدت لتحقيق الإختراق، واستفحال الظاهرة،. ومواجهة ذلك بمشروع وطني، يأخذ في الإعتبار مجمل المعطيات التي يؤدي لها التحليل الموضوعي، الرصين والشجاع.

لقد أشرنا أكثر من مرة في هذه المساحة، إلى أن مواجهة الإرهاب تقتضي ضرب مرتكزاته الفكرية والثقافية. وضمن تلك المرتكزات، مختلف الأنشطة الإجتماعية السلبية والمؤذية التي نمارسها في مختلف المجالات والميادين. وقلنا إن المرتكزات الفكرية والثقافية لأي مجتمع هي الحاضن الشامل لكل ما يصنعه ويبدعه ذلك المجتمع من الأفكار والأدوات.

ولا شك أن منطقتنا العربية حافلة من جهة، بعوامل الإضطراب واليأس، فهناك ارتباط وجداني عميق وعلاقة لا تنفصل مع الجوار العربي، في فلسطين والعراق وسوريا واليمن والصومال، وليس من جدل في أن كثيرا من الظلم والجور الذي لحق بالقضايا العربية، والتحيز الفاضح وغير العادل من قبل الإدارات الأميركية المختلفة لصالح إسرائيل، قد ألقت جميعها بظلال ثقيلة على أوضاعنا. ومن جهة أخرى فإن القواعد الفكرية للإرهاب، كانت كامنة في أعماقنا وموجودة في سلوكنا ومناهج تفكيرنا، وإن بقيت في السابق عاجزة وغير قادرة على التعبير عن نفسها في ممارسات عنفية، كتلك التي نشهدها الآن.