الإمارات تقود جهود إعمار غزة بخطة لبناء مجمع سكني ضخم
القدس - كشفت خريطة ومصادر مطلعة بأن الإمارات أعدت خطة لبناء مجمع لتسكين آلاف الفلسطينيين النازحين في منطقة بجنوب غزة تخضع للسيطرة العسكرية الإسرائيلية، ما يؤكد الدور المحوري الذي تلعبه أبوظبي كطرف فاعل ومبادر في ملف مستقبل القطاع، حيث تتجاوز الرؤية الإماراتية مجرد تقديم المساعدات الإغاثية العاجلة لتنتقل إلى مرحلة تثبيت الاستقرار عبر مشاريع إسكانية كبرى.
وتمثل خطة بناء "مجمع الإمارات المؤقت للإسكان" في جنوب غزة خطوة استراتيجية لامتصاص الأزمة الإنسانية الناتجة عن النزوح الجماعي. وتدرك الإمارات أن السلام المستدام لا يمكن أن يبدأ دون توفير الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية (المسكن والأمن)، مما يجعل من هذا المجمع "نواة" لعودة الحياة الطبيعية تدريجياً إلى المناطق المدمرة مثل رفح.
وفي ظل خشية المانحين الدوليين من تجدد الصراع بسبب ملفات نزع السلاح، تأتي المبادرة الإماراتية كرسالة طمأنة للمجتمع الدولي. ومن خلال مشروع بناء مجمعات سكنية منظمة، تقدم أبوظبي نموذجا علميا لما يمكن تحقيقه، مما قد يشجع دولاً أخرى على الانخراط في التمويل بعيداً عن المخاوف السياسية التقليدية.
وتُظهر الخريطة أن الموقع الذي سيُبنى فيه "مجمع الإمارات المؤقت للإسكان" سيكون بالقرب من رفح التي كانت ذات يوم مدينة يبلغ عدد سكانها ربع مليون نسمة، لكنها حاليا مدمرة بالكامل تقريبا وخالية من السكان بسبب القوات الإسرائيلية.
ومن المتوقع أن تبدأ إعادة إعمار غزة من رفح القريبة من الحدود المصرية بموجب خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتحقيق سلام دائم في القطاع الساحلي المكتظ بالسكان بعد حرب مدمرة على مدى عامين.
وتردد المانحون في الالتزام بتقديم التمويل لخطة إعادة الإعمار خشية أن تؤدي الخلافات حول نزع سلاح حركة المقامة الإسلامية الفلسطينية (حماس) إلى عودة الصراع الشامل.
ومع ذلك، قال دبلوماسيون إن هناك شكوكا حول الجدوى السياسية للمشروع الإماراتي، إذ قد يرفض معظم الفلسطينيين الإقامة في منطقة تسيطر عليها إسرائيل، بينما تعيش الغالبية العظمى من المدنيين في مناطق تديرها حماس.
وتتضمن خطة ترامب تأسيس بعثة متعددة الجنسيات لغزة بقيادة الولايات المتحدة يكون مقرها جنوب إسرائيل، حيث شارك مسؤولون إماراتيون تفاصيل خطتهم لبناء مساكن مؤقتة وتوفير خدمات أساسية في رفح، وذلك حسبما قال أربعة دبلوماسيين مطلعين على المبادرة.
وتُظهر الخريطة أن المساكن الإماراتية ستقع بالقرب من "الخط الأصفر" المتفق عليه بموجب اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول لرسم حدود المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل وحماس.
وردا على أسئلة من أجل هذه القصة، قال مسؤول إماراتي إن الدولة الخليجية "لا تزال ملتزمة بتكثيف جهودها الإنسانية لدعم الفلسطينيين في غزة"، دون أن يؤكد أو ينفي خطة بناء موقع الإسكان المؤقت.
تضييق الخناق على حماس
وقال أحد الدبلوماسيين إن الجيش الإسرائيلي أخلى منطقة واسعة تمتد من ساحل البحر المتوسط إلى رفح من أجل مشروعات إسكان مؤقتة مثل الذي تخطط له الإمارات.
وذكر الدبلوماسيون أن المبادرة الإماراتية تشبه اقتراحا أميركيا لإقامة مساكن مؤقتة للفلسطينيين في مناطق في غزة لا تزال تحت سيطرة إسرائيل. ووصف المسؤولون الأميركيون خطتهم في البداية بأنها "مجتمعات آمنة بديلة" وفي الآونة الأخيرة بأنها "مجتمعات مخطط لها".
ويأمل المسؤولون الأميركيون في أن يؤدي بناء مساكن في المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل إلى تقديم دفعة لمسألة نزع سلاح حماس، وتشجيع سكان غزة على مغادرة المناطق التي تسيطر عليها الحركة، ومنع استعانة الجماعة بالسكان المدنيين.
وقال كينيث كاتزمان الخبير في شؤون الشرق الأوسط في مركز صوفان، وهو مركز أبحاث مقره الولايات المتحدة ويركز على الأمن، إن "المجتمعات الآمنة البديلة صُممت لتكون وسيلة لتضييق الخناق على حماس تدريجيا، لكن لتكون فعالة يجب أن تُبنى على نطاق واسع وتضم مئات الآلاف من الفلسطينيين".
شكوك في الأرقام
وشكك الدبلوماسيون الأربعة في أن الفلسطينيين سينتقلون بأعداد كبيرة إلى المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، وتساءلوا عما إذا كانت المقترحات تنطوي على خطر تقسيم غزة بشكل دائم.
لكن الدبلوماسيين قالوا إن الإماراتيين حددوا موقعا لم تكن توجد فيه منازل من قبل، على خلاف المبادرة الأميركية.
ويسيطر الجيش الإسرائيلي على حوالي 53 بالمئة من غزة، بما في ذلك المنطقة الواقعة في أقصى الجنوب وتضم مدينة رفح المدمرة. وتسيطر حماس على بقية الأراضي حيث يعيش معظم سكان القطاع تقريبا البالغ عددهم نحو مليوني نسمة في مخيمات مكتظة وسط أنقاض الأحياء المدمرة.
ويقول دبلوماسيون أجانب وعاملون في مجال الإغاثة إنه يجب توجيه المساعدات الإنسانية والمأوى إلى المناطق التي يوجد فيها عدد كبير من السكان. ويقول الدبلوماسيون إنه يُعتقد أن حوالي 20 ألف فلسطيني يعيشون في مناطق في غزة خاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي.