الإمارات من الذكاء الاصطناعي إلى التنقل الأخضر

دبي تواصل تعزيز موقعها كإحدى المدن الرائدة في مجال التنقل المستدام من خلال مبادرة 'الشاحن الأخضر' التابعة لهيئة كهرباء ومياه دبي، وتحوّلت خلال أكثر من عقد إلى أحد الأعمدة الرئيسية لدعم انتشار المركبات الكهربائية.
رانيا عبدالعاطي
القاهرة

تمضي دولة الإمارات في تعزيز حضورها الدولي عبر استراتيجية تقوم على الاستثمار في التكنولوجيا، والمعرفة، والاستدامة؛ وهي مقاربة باتت تنعكس في مبادرات ومشروعات تتجاوز حدود التنمية المحلية، لتضع الدولة في قلب التحولات العالمية المرتبطة بالطاقة النظيفة، والذكاء الاصطناعي، والحوكمة الحديثة.

وتبرز دبي وأبوظبي باعتبارهما مركزين رئيسيين لهذه التحولات في ظل توجه متسارع نحو بناء اقتصاد قائم على المعرفة، وتطوير حلول مبتكرة تعزز القدرة التنافسية للإمارات وتمنحها دوراً متزايداً في صياغة معايير المستقبل.

وفي هذا السياق، تواصل دبي تعزيز موقعها كإحدى المدن الرائدة في مجال التنقل المستدام من خلال مبادرة "الشاحن الأخضر" التابعة لهيئة كهرباء ومياه دبي، التي تحولت خلال أكثر من عقد إلى أحد الأعمدة الرئيسية لدعم انتشار المركبات الكهربائية.

ووفرت المبادرة التي انطلقت عام 2014 أكثر من 62 ألف ميغاوات ساعة من الكهرباء، وهو ما مكّن المركبات الكهربائية من قطع أكثر من 310 ملايين كيلومتر، بينما ارتفع عدد المستخدمين المسجلين إلى أكثر من 23 ألفاً و600 متعامل، مع انتشار أكثر من 2200 محطة شحن في مختلف أنحاء الإمارة.

ويعكس هذا التوسع التوجه الإماراتي نحو تسريع التحول إلى الاقتصاد الأخضر، وخفض الانبعاثات الكربونية، وتحقيق أهداف الحياد المناخي، في وقت تتزايد فيه المنافسة العالمية على تبني وسائل نقل أكثر استدامة.

ولا يقتصر الرهان الإماراتي على التحوّل البيئي بل يمتد إلى التقنيات المتقدمة، حيث برز معهد الابتكار التكنولوجي في أبوظبي كشريك مؤسس في تطوير معيار عالمي جديد للذكاء الاصطناعي القابل للتحقق والمقاوم للحوسبة الكمية، في خطوة تعكس سعي الإمارات إلى لعب دور مؤثر في وضع الأسس التقنية والتنظيمية للجيل المقبل من تطبيقات الذاء الاصطناعي.

ويهدف المعيار الجديد "أوباك 3" إلى توفير بيئة أكثر أماناً وشفافية لأنظمة الذاء الاصطناعي عبر إنشاء سجلات تدقيق مشفرة تتيح التحقق من كيفية عمل هذه الأنظمة، مع توفير حماية مستقبلية في مواجهة المخاطر التي قد تفرضها الحوسبة الكمية على أنظمة التشفير الحالي.

ويرى مختصون أن هذه الخطوة تمنح الإمارات موطئ قدم في سباق عالمي يتجاوز تطوير التطبيقات الذكية إلى المشاركة في صياغة المعايير التي ستحدد شكل الاقتصاد الرقمي خلال العقود المقبلة، وهو مجال تحتدم فيه المنافسة بين القوى الكبرى والشركات العملاقة.

وفي موازاة ذلك، تسعى المؤسسات الحكومية الإماراتية إلى تحويل الخبرات الإدارية والتنظيمية إلى أدوات قوة ناعمة، وهو ما تجسده الإدارة العامة للإقامة وشؤون الأجانب في دبي (إقامة دبي) من خلال تطوير نماذج معرفية ومنهجيات عمل مبتكرة في مجالات الاتصال الحكومي وإدارة السمعة المؤسسية.

وتمكنت المؤسسة من تسجيل أكثر من عشرين ملكية فكرية، ونقل تجاربها إلى أكثر من 35 جهة حكومية، فضلاً عن الحصول على العديد من الجوائز المحلية والدولية في تجربة تعكس انتقال المؤسسات الحكومية من مرحلة تقديم الخدمات التقليدية إلى إنتاج المعرفة وتصدير الخبرات المؤسسية.

ويشير هذا التوجه إلى أن الإمارات باتت تنظر إلى المعرفة بوصفها مورداً استراتيجياً لا يقل أهمية عن الموارد الاقتصادية التقليدية، حيث يجري تحويل التجارب الحكومية الناجحة إلى نماذج قابلة للتطوير والتطبيق، بما يعزز مكانة الدولة في مؤشرات التنافسية العالمية.

وتأتي هذه التحركات ضمن رؤية أوسع تسعى من خلالها الإمارات إلى ترسيخ نموذج تنموي يعتمد على الابتكار، والتكنولوجيا، والاستدامة؛ وهي رؤية انعكست في الاستثمارات المتزايدة في قطاعات الذكاء الاصطناعي، والطاقة النظيفة، والبنية التحتية الرقمية، وفي سعي الدولة إلى تعزيز حضورها كمركز عالمي للأعمال والمعرفة.

وبينما تتسارع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية على المستوى الدولي، تبدو الإمارات ماضية في توظيف هذه المتغيرات لتعزيز قوتها الناعمة وتوسيع نفوذها الاقتصادي والتقني، عبر نموذج يقوم على استباق المستقبل والمشاركة في صناعته بدلاً من الاكتفاء بالتكيف مع معطياته.