الاحتجاجات تعيد خلط أوراق ماكرون

الرئيس الفرنسي فشل في احتواء أسوأ توتر اجتماعي هزّ سلطته وفي إعادة التوازن لدفة الحكم بعد استقالات سابقة لبعض من أهم وزرائه.



موجة الاحتجاجات تزيد الضغوط على ماكرون


ماكرون الطامح لتميم شروخ الاتحاد الأوروبي يعجز عن إنهاء الانقسام في فرنسا


حراك السترات الصفراء يسلتهم بعضا من فوضى الثورات العربية وشعار "ارحل"

باريس - تزيد موجة الاحتجاجات المتواصلة الضغوط على الرئيس الفرنسي الشاب امانويل ماكرون الطامح لقيادة أوروبا قوية وإعادة ترميم الشروخ في الاتحاد الأوروبي في الوقت الذي يعجز فيه عن إنهاء الانقسام في بلاده.

وأعادت الاحتجاجات المتصاعدة التي هوت بشعبية ماكرون، خلط أوراق الرئيس الفرنسي الذي فشل إلى حدّ الآن في احتواء الاحتقان وإعادة التوازن لدفة الحكم بعد استقالات سابقة لبعض من أهم وزرائه.

وفشلت الإجراءات التي أعلنها ماكرون بعد أعنف موجة عنف تخللت تلك الاحتجاجات في احتواء الغضب الشعبي.

وشكل حراك السترات الصفراء منعرجا خطيرا في مسيرة الرئيس الفرنسي بعد 18 شهر في الحكم الذي جاءه مثقلا ببرامج إصلاحات يبدو أنها بدأت تتفكك على وقع انتفاضة لم يحسب لها حسابا أو اعتقد ولو لحظة أنها سائرة نحو التلاشي تدريجيا، فجاء ردّها بمثابة الصفعة التي أربكت ماكرون وحكومته.

ماكرون الذي ندد مرارا باستخدام أنظمة عربية ودكتاتورية للقوة المفرطة في مواجهة الاحتجاجات الاجتماعية، وجد نفسه اليوم مضطرا للأساليب ذاتها في مواجهة حراك اجتماعي استلهم من ثورات ما سمي بالربيع العربي بعضا من الفوضى والعنف وشعار "ارحل".   

ولم تجد السلطات الفرنسية اليوم السبت أفضل من القوة لمواجهة طوفان من احتجاجات السترات الصفراء الذي هزّ سلطة الرئيس الشاب بعد نحو عام ونصف العام في الحكم.

واستخدمت الشرطة مدافع المياه والغاز المسيل للدموع لتفريق متظاهري السترات الصفراء في محيط قوس النصر في تاسع موجة من الاحتجاجات التي تجري كل يوم سبت ضد الإصلاحات الاقتصادية للرئيس إيمانويل ماكرون.

كما نظم آلاف المحتجين مسيرة صاخبة، لكن سلمية في منطقة غراند بوليفارد التجارية بشمال باريس قرب منطقة شهدت انفجارا مدويا نجم عن تسرب للغاز في مخبز أودى بحياة رجلي إطفاء ومواطن إسباني وأصاب نحو 50 آخرين في وقت مبكر من اليوم السبت.

وأغلقت الشرطة وسط باريس خشية اندلاع أعمال عنف جديدة من جانب من تصفهم بـ"العناصر المتطرفة" بحركة السترات الصفراء حيث تم إغلاق الجسور على نهر السين كما أقامت الشرطة حواجز أمام المباني الرسمية مثل البرلمان وقصر الإليزيه.

احتجاجات السترات الصفراء تضيّق الخناق على ماكرون
السترات الصفراء تحشر ماكرون في الزاوية

واحتشدت مجموعات في شارع الشانزليزيه الشهير في باريس الذي كان مسرحا لاضطرابات واسعة في الأسابيع القليلة الماضية وردد كثير منهم هتافات تطالب باستقالة ماكرون. وكتب أحد المحتجين على لافتة "ماكرون.. سوف نسقطك".

وقال شهود إن الشرطة استخدمت مدافع المياه والغازات المسيلة للدموع لتفريق متظاهرين من محتجي السترات الصفراء لجؤوا للعنف ورشقوا رجال الأمن بالحجارة والطلاء في محيط قوس النصر وهو رمز تاريخي يعود إلى القرن التاسع عشر ويقع عند أول شارع الشانزليزيه.

ومع حلول عصر السبت لم تقع اشتباكات كبيرة مع الشرطة على عكس ما حدث في الأسابيع الماضية. وفي باريس اعتقلت الشرطة أكثر من 50 شخصا بعضهم كان يحمل أشياء يمكن أن تستخدم كسلاح.

كما نظم آلاف من المحتجين مسيرات أيضا في مدن بوردو وتولون بجنوب فرنسا إضافة إلى ستراسبورغ في الشرق وبورجيه في وسط البلاد.

ونشرت السلطات الفرنسية أكثر من 80 ألف شرطي لمواجهة الاحتجاجات في أنحاء البلاد منهم خمسة آلاف في باريس من قوات مكافحة الجرائم.

ولا يخلو اختيار نشر قوات مكافحة الجرائم في العاصمة الفرنسية من مدلولات ورسائل أرادت السلطات الفرنسية من خلالها إضفاء صبغة الجريمة على حراك السترات الصفراء لتبرر على ما يبدو استخدام العنف لتفريق الاحتجاجات.

ولا تبدو في الأفق مؤشرات على عودة الهدوء للشارع الفرنسي على الأقل في الوقت الراهن في ظل مشهد يزداد قتامة وينفتح على معركة لي أذرع بين ماكرون والسترات الصفراء في الوقت الذي يرفض كل منهما رفع الراية البيضاء.