الاستثمار السياحي يعكر صفو شاطئ حنكوراب في مصر

ناشطون وعاملون في محمية وادي الجمال يعربون عن مخاوفهم على النشاط البيئي بالمنطقة.

محمية وادي الجمال (مصر) - في رأس حنكوراب على ساحل البحر الأحمر المصري، يتشارك هواة الغوص الشاطئ مع سلاحف البحر الخضراء المهددة بالانقراض. ولكن مؤخرا، عكّر شبح الإنشاءات الاستثمارية هذا الصفو، ما يثير مخاوف بيئيين وسكان محليين.

تقع رأس حنكوراب في شمال محمية وادي الجمال التي تضم نظما بيئية متنوعة وسلسلة من الشعاب المرجانية، وفق خبراء يدعون إلى الحفاظ عليها وحمايتها. لكن في مارس/آذار، ظهرت على الشاطئ معدات بناء ثقيلة واستعدادات لبدء العمل بإقامة منشأة ما، ما أثار على الفور حفيظة ناشطين وسكان.

ويقول ناشطون وعاملون في المحمية إنهم "فوجئوا" بعد اطلاعهم، أثناء تقصيهم حول ما يحصل، على تعاقد بين جهة حكومية لم يذكروها وشركة استثمارية تحصل الأخيرة بموجبه على حق انتفاع بالأرض لبناء منتجع سياحي.

ويقول محمود حنفي، أستاذ البيئة البحرية والمستشار العلمي لمحافظة البحر الأحمر التي تقع فيها المحمية، إن رأس حنكوراب تضم "نظما بيئية عظيمة ذات أهمية قصوى بيئيا واقتصاديا وعلميا".

ويضيف أن "أشكالا محدودة فقط من التنمية السياحية تصلح لهذا الشاطئ"، محذرا من أن التواجد البشري المكثف والضوضاء والإضاءة المستمرة من شأنها إزعاج السلاحف وإبعادها عن بيئتها.

وتمتد محمية وادي الجمال (850 كيلومترا جنوب شرق القاهرة) على أكثر من 70 كيلومترا على ساحل البحر الأحمر، وهي من بين أهم ثلاث مناطق من حيث التنوع البيئي في مصر وتضم "أحد آخر الشواطئ البِكر على الساحل الجنوبي للبحر الأحمر"، وفقا لتقرير لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي عام 2019.

وأطلق بيئيون، بعد انتشار صور معدات البناء، حملة بعنوان "أنقذوا حنكوراب" تضمنت عريضة وقّع عليها الآلاف.

وبحسب العريضة، يسكن الشاطئ "حيوان الدوجونج وأعشاب البحر والشعاب المرجانية المتنوعة والأسماك والدلافين وموائل البحار المفتوحة".

ولفت حنفي إلى أن الشاطئ تحيط به سلسلة من الشعاب المرجانية "من بين الأكثر مرونة وتحمّلا لتقلبات المناخ في العالم".

ويرى أحمد الصعيدي، المحامي البيئي ورئيس مجلس أمناء المؤسسة المصرية للحقوق البيئية، أن التركيز على الاستثمار بدلا من الحفاظ على الطبيعة البِكر "يخالف الالتزامات القانونية الواردة في قانون المحميات وفي قرار إعلان وادي الجمال محمية طبيعية".

وتمّ إعلان وادي الجمال محمية طبيعية بقرار حكومي عام 2003، وبالتالي يحظر تلويث تربة أو مياه أو هواء المحمية أو "إقامة المباني أو شق الطرق.. أو ممارسة أنشطة تجارية أو سياحية.. إلا بتصريح من جهاز شؤون البيئة".

ويؤكد حنفي أن ما يجري في شاطئ حنكوراب هو "مشكلة قانونية"، موضحا أن "الشركة التي تدير النشاط الحالي تعاقدت مع جهة حكومية غير تلك المنوط بها إدارة المحمية وهي جهاز شؤون البيئة ووزارة البيئة".

ويصف الصعيدي هذا التعاقد بأنه "باطل"، معتبرا غياب المعلومات "كارثة"، لأن "المعلومة البيئية تؤثر علينا وعلى الأجيال المقبلة، والأضرار البيئية يمكن أن يعاني منها أجيال وأجيال".

وتوقّفت أعمال البناء بعد العريضة وردود الفعل الغاضبة. لكن الغموض لا يزال يحيط بمصير المشروع.

ولا تساعد الاستراتيجية التي اعتمدتها السلطات المصرية لتنشيط السياحة في تهدئة المخاوف.

وتهدف هذه الاستراتيجية إلى مضاعفة عدد السائحين والغرف الفندقية بحلول عام 2030 في خطة طموحة لتطوير القطاع الذي يساهم بأكثر من 15 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للبلد الغارق في الديون، وفقا للهيئة المصرية العامة للاستعلامات.

وفي هذا الإطار، أصدر الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي قرارا في يونيو/حزيران بتخصيص أكثر من 174 ألف كيلومتر مربع على ساحل البحر الأحمر لاستخدامات تجارية من أجل خفض الدين العام.

وفي العام 2024، أُبرمت صفقة مصرية-إماراتية بقيمة 35 مليار دولار تطوّر الإمارات بموجبها منطقة رأس الحكمة على البحر المتوسط على شكل منتجعات فاخرة يخشى خبراء من اعتمادها الكثيف على الطاقة وتأثيرها على المجتمع المحلي، بينما يشيد آخرون بتوفيرها آلاف فرص العمل في وقت تعاني مصر من أزمة اقتصادية خانقة.

وحذّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي منذ العام 2019 من أن "التنمية السياحية في مصر، حتى الآن، جاءت على حساب البيئة"، مشيرا إلى أن السياحة، وخصوصا "السياحة الجماعية الكثيفة" تهدد التنوع البيولوجي.

وفي هذا الوقت، لا تزال السلاحف الخضراء تسبح بطمأنينة بين الشعاب المرجانية وتخرج في المساء لتضع بيوضها بين الرمال على شاطئ حنكوراب. لا أضواء اصطناعية على مدى البصر ولا يُسمع سوى صوت الأمواج.

وتقول النائبة البرلمانية مها عبدالناصر التي قدّمت طلبا للإحاطة موجها لوزيرة البيئة تساءلت فيه عن الجهة المتهمة بارتكاب التعديات، "توقفت الإنشاءات مؤقتا، وهو شيء مطمئن، لكن لا توجد ضمانات حول ما يمكن أن يحدث في المستقبل".

لكن عند مدخل الشاطئ، علّقت على بوابة حديثة الإنشاء لوحة كتب عليها "رأس حنكوراب" بأحرف لاتينية، ويدفع الزائر 300 جنيه مصري (6 دولارات) ثمن تذكرة الدخول، بزيادة خمسة أضعاف عمّا كانت عليه قبل أشهر قليلة.

قبل وضع البوابة، كان على الشاطئ "بضع مظلات فقط ودورات مياه لم تكن صالحة للاستخدام"، وفقا لأحد العاملين في المكان الذي تسلّم عمله في مارس/آذار.

اليوم، تصطف على الشاطئ أرائك تتوسدها مناشف ومعدات غوص للإيجار، مع وعود بمقهى ومطعم صغير قريبا.