الاستشراق .. أغلبه ادعاءات باطلة لم تتعمق في الحضارة الإسلامية

متغيرات جديدة لعصر العولمة

الاستشراق تعبير يدل على الاتجاه نحو الشرق، ويطلق على كل ما يبحث في أمور الشرقيين وثقافتهم وتاريخهم. ويقصد به ذلك التيار الفكري الذي يتمثل في إجراء الدراسات المختلفة عن الشرق الإسلامي والتي تشمل حضارته، وأديانه، وآدابه، ولغاته، وثقافته. ولقد أسهم هذا التيار في صياغة التصورات الغربية عن الشرق عامة وعن العالم الإسلامي بصورة خاصة، معبرًا عن الخلفية الفكرية للصراع الحضاري بينهما.

ولذلك في ظل المستجدات التي تشهدها وسائل الاتصال وثورة المعلومات والقفزات الهائلة، التي فرضتها عولمة القطب الواحد والتي حولت العالم إلى قرية صغيرة.. يتبادر عدة أسئلة عن عمليات الاستشراق التي شهدت عصورًا من الازدهار عنيت فيه نخبة من مفكري الغرب بالدراسات الدينية والحضارية لبلادنا الإسلامية، وهي ما دور المستشرقين الآن في ظل العولمة؟ وما واقعه الآن ودوافعه ومستقبله؟ وهل من الممكن أن يغفل علماء الغرب دول العالم الثالث من اهتماماتهم؟

المفكرون يعرِّفون الاستشراق بأنه قيام علماء ومفكرين من الغرب بدراسة علوم وثقافات وحضارات دول الشرق، والتوغل فيها بما يسمح بخلق نوع من التواصل الفكري، واكتشاف مجاهل هذه الدول وسبر أغوارها وخاصة في المجال الديني، وقد استطاع عدد من علماء الغرب دراسة علوم الدين الإسلامي بتعمق شديد. بل وضع بعضهم ترجمة لمعاني القرآن الكريم، مثل: المستشرق الهولندي "د. فريد ريك ليمهاوس"، كما استطاع البعض الآخر أن يروج للضلالات، التي شابت الفكر الإسلامي في عصور ماضية ويتخذها ذريعة للهجوم على الإسلام، ومن هؤلاء المستشرق الإيطالي "غابرييللي".

• تعريف الكلمة

وإذا تطرقنا لتعريف كلمة "الاستشراق" نجد أن المفكر الألماني "رودي بارت" قال: إن كلمة "استشراق" مشتقة من كلمة شرق، وكلمة شرق تعني مشرق الشمس، وعلى هذا يكون الاستشراق هو علم الشرق أو علم العالم الشرقي.. ولكن "بارت" وجد نفسه في حيرة لمعنى كلمة "شرق"، فإن مفهوم الكلمة يتغير تبعًا لاختلاف المكان وتبعًا لتغير الأزمان، فالشرق يختلف بالنسبة للياباني، أو العربي، أو الألماني، أو الأميركي، والشرق يختلف بالنسبة لأهالي العصور القديمة، والوسطى، أو للبشر في تاريخنا الحديث والمعاصر.

إن بداية الاستشراق الحقيقية كانت منذ قرون كثيرة سابقة للقرن الثامن عشر، فقد أرسى الاستشراق قواعده منذ العصور الإسلامية المبكرة، وأنه بدأ في أوروبا نفسها في العصور الإسلامية، حيثما كان العرب المسلمون يحكمون أرجاء كثيرة في شبه جزيرة أيببريا – بلاد الأندلس -، وفرنسا، وإيطاليا، وصقلية، وجزر البحر المتوسط.

ولقد تغيرت صور الاستشراق في تاريخنا المعاصر عما كانت عليه في مطلع القرن العشرين؛ نتيجة تغير الأوضاع السياسية في الشرق العربي، فأصبح الاستشراق في السنوات الأخيرة يعيش في دائرة محدودة ضيقة بعد السيول الجارفة من أبحاث المستشرقين التي شهدناها في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ولذا فإننا نقول إن مستقبل الاستشراق محدود وإن مجالاته تنكمش، وقد أصبحت كفة الباحثين العرب هي الراجحة الآن، وأصبح العرب في غير حاجة إلى "فكر مستورد".

• ادعاءات باطلة

د. يوسف عيد أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر يقول: إن الاستشراق له تأثيراته القوية في الفكر الإسلامي الحديث، وكل ادعاءات المستشرقين مردها إما إلى الجهل بحقائق الإسلام وإما الادعاءات الكاذبة، فالإسلام هو الذي دعا إلى العمل والأخذ بالأسباب والمشي في مناكب الأرض، حيث يقول عز وجل: {هو الذي جعل لكم الأرض ذلولًا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه}، ومعنى هذا أن رزق الله تعالى لا يتأتى إلا بجهد يبذل، وهذا هو التوكل على الله، وهو الأخذ بالأسباب مع ترك النتيجة إلى قدر الله تعالى، مصادقًا لقوله "صلى الله عليه وسلم": "أعقلها وتوكل".

وأشار د. يوسف أيضًا إلى أن، الافتراءات التي يدعيها المستشرقون بأن المرأة مظلومة وأن الإسلام لا يعطيها حقها هي ادعاءات باطلة، فمن يقرأ القرآن والسنة يجد أن المرأة قد كرمها الإسلام، وحفظ حقوقها بعد أن كانت سلعة ممتهنة تورث ولا ترث، ويكفي أن أطول سورة بعد البقرة في القرآن الكريم هي سورة النساء.

وتساءل، لماذا لا يتصل الحوار مع المستشرقين وعلماء الإسلام في المسائل الخلافية؟.. فالواقع أنه يمكن – تجاوزًا – أن نقسم المسائل الخلافية إلى قسمين: "مسائل دينية خالصة"، ومسائل أخرى تتصل "بسائر فروع الحضارة"، مشيرًا إلى أنه فيما يتعلق بالقضايا الدينية الخالصة، هناك من الأسباب ما يحمل الكثيرين على التخرج من الإقدام على الحوار حولها؛ نظرًا للتباين الكامل بين موقف كل طرف من الآخر، أما بالنسبة للقسم الثاني، وهو الخلافات حول موضوعات علمية وحضارية، فالحوار بشأنها واجب وأعتقد أنه يتم بصورة أضيق مما يجب أن يكون عليه، وعلى كل فهذا أمر يتحمل تبعته الطرفان على أمل أن يتمخض عما يحقق الآمال في تلاقح الحضارات بصورة مثمرة، كما هو الشأن في التطور البشري.

• ترجمة القرآن

أما د. سمية عفيفي، أستاذ اللغة الروسية بجامعة عين شمس، والتي قامت بترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الروسية فتقول: عندما حصلت على الدكتوراه في اللغة الروسية عام 1964، كان الاتجاه إلى ترجمة معاني القرآن الكريم نصب عيني، وكنت أول فتاة مصرية متخصصة في دراسة وتعليم اللغة الروسية في مصر والشرق الأوسط وأفريقيا، وكنت أشعر أن ترجمة معاني القرآن الكريم إلى الروسية مسئولية كبيرة أمام الله، خاصة وأن الفترة الماضية ومنذ 70 عامًا مضت قبل انهيار الاتحاد السوفيتي كان الاهتمام بالأديان غائبًا، والمفردات الدينية قليلة جدًّا في المعاجم.

وأكدت د. سمية علي أنه من الأفضل أن يقوم بالترجمة أفراد بتوجيه من جهة علمية معنية بشئون القرآن والشئون الإسلامية، مثل المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، حيث توجد لجنة تابعة للمجلس تقوم بالتخطيط والمتابعة لما يتم من ترجمة للكتب الدينية إلى اللغات المختلفة، ولذلك أرفض أن يقوم أفراد بترجمة معاني القرآن من أنفسهم دون رعاية أو مراقبة.

• وجه قبيح

ويرى د. محمد عمارة المفكر الإسلامي، أن الاستعمار الغربي قد كشف عن وجهه القبيح، وأظهر عداءه للإسلام كدين سماوي ونظام اجتماعي وأخلاقي، على الرغم من اعتماد الغرب على الثقافة الإسلامية في عصر النهضة، باعتبارها ركنًا أساسيًّا من أركان نهضته الثقافية. كما أن الغرب تعرف على منجزات الحضارات القديمة، خاصة اليونانية والرومانية من خلال الحضارة الإسلامية، ومع ذلك عمل المستشرقون على تكريس تلك العلاقة العدائية، وصوروا الإسلام على أنه دين رجعي وهو ذلك براء.

• حذر ويقظة

ويؤكد د. أحمد عبدالرحمن الباحث الإسلامي، أن المستشرقين متفاوتون في مستوياتهم العلمية تفاوتًا كبيرًا، فمنهم الأساتذة، ومنهم الدارسون المتواضعون، ومنهم الجهال، وإزاء هذه الحقيقة يتحتم علينا أن نتناول أعمالهم بحذر ويقظة، ولا بد أن نعرف قيمة أية عمل علمي موضوعي، وأن ندين كل عمل يفتقر إلى الموضوعية، فكثير من المستشرقين دخلوا مجال الدراسات الإسلامية ورءوسهم مشحونة بأحكام مسبقة خاطئة عن الإسلام ومعادية له، حتى يخيل للقارئ أنه عالم موضوعي ينشد الحقائق ويوثق الآراء، في حين تكون حقيقته على غير ذلك.

وأضاف د. عبدالرحمن: أن تزوير التاريخ كان يجري على أيدي بعض المستشرقين، وهو سمة من أبرز السمات التي شوهت أعمالهم، مع ذلك فأعمال المستشرقين كثيرة وهي في متناول الباحثين والقادة بصفة عامة، وليس من العسير التمييز بين الحق والباطل، برغم براءتهم أحيانًا في وضع هذا اللبس والواجهة في الفيصل.

• رفض التعصب

ويؤكد د. منصور الرفاعي عبيد، وكيل وزارة الأوقاف الأسبق، أن المستشرقين أمضوا زمنًا طويلًا في مجال المعجم والفهارس وأشهرهم في هذا المجال "أوجست فينشرا" صاحب معجم المفهرس لألفاظ الحديث الشريف، والذي قضى 40 عامًا في جمعه وفي نفس المحاولة، التي قام بها المستشرق "هايرمان ريلا" عام 1718، وهي مؤلفه "الديانة المحمدية" للوقوف في وجه الظلم والإجحاف الذي وصف به الإسلام غلاة المستشرقين.

وأكد أن نشاط الاستشراق المبكر كان معظمه إن لم يكن كله افتراءات، ولكن هذا لم يحل دون ظهور مستشرقين أكثر موضوعية كانوا على الأقل ينظرون للإسلام بشكل علمي ودون تعصب عنصري وإيجابياتهم هي البحث الدائم عن المعرفة، ومن ثمار التعاون العلمي بين المستشرقين رأينا "دائرة المعارف الإسلامية"، التي طُبعت بعدة لغات منذ عام 1913 ميلادية وحتى عام 1938 وترجمت للعربية، بالإضافة إلى كتاب تاريخ الأدب "لبروكلمان" الذي ظهر عام 1956، وهو كتاب أساسي للدراسات العربية.

إيجاد حلول

وكشف د. محمد الفيومي المفكر الاسلامي الراحل النقاب عن أن الاستشراق يبحث الآن عن دور يمكن أن يلعبه في دول العالم الثالث والتي تقف من الغرب موقف التحدي، ولم يعد أمام المستشرقين إلا أن يسلكوا أحد طريقين: إما أن يستمروا في بحوثهم ودراساتهم مثلما كانوا يفعلون من قبل في موضوعات التاريخ، واللاهوت، والجغرافيا، والعلوم والفنون في الشرق، أو أن يعدلوا أساليبهم القديمة، بحيث تتلاءم مع الأوضاع الجديدة، وكلا الموقفين صعب، خاصة أن كثيرًا من المستشرقين يعترفون بأن الشرق قد تغير أو يمكن أن يتغير. وأشار إلى أن هناك طريقًا ثالثًا وهو أن يسقط علماء الغرب دول الشرق ودراساته من اهتمامهم، وأن يقوموا بطي سجل الاستشراق للأبد ولعل ذلك هو الحل الوحيد.

ومن هنا كان من الضروري التوصل إلى حلول مشتركة لمشكلات التخلف والتنمية، ومعالجة ما خلفه الاستشراق الاستعماري، والنظر من جديد إلى الإسهامات الفعالة للشرق من خلال إيجاد ساحة مشتركة من المفاهيم الفكرية المتفق عليها بين المتحاورين في مجالات الإسلام الواسعة وهي: المذهبية، والسياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، وعلى الغرب أن ينظروا من جديد إلى حقيقة الإسلام، وأن تتوقف مكونات الرأي العام الغربي – وسائل الإعلام – عن نشر الصور المشوهة للإسلام والمسلمين، والحد من النظرة العرقية التي تقلل من شأن المسلمين خاصة المهاجرين منهم. فالدول الكبرى أدركت إبان الحرب الباردة أن مفاتيح العالم موجودة في القارة الإسلامية خاصة في الشرق الأوسط، وأن من يستطيع نشر نفوذه في هذه المنطقة يصبح قادرًا على إخضاع كل الكتلة القارية في العالم القديم لإدارته، ومن هنا بدأ الغرب يدرس الشرق بما يتيح له من وسائل فرض سياسته حتى تمكن من استعماره. (خدمة وكالة الصحافة العربية)