الاقتصاد المغربي يثبت قدرته على الصمود وسط الضغوط الدولية
الرباط – رغم التحديات الاقتصادية العالمية وارتفاع أسعار الطاقة والتوترات الجيوسياسية، يواصل الاقتصاد المغربي إظهار مؤشرات عملية تعكس قدرته على الصمود والحفاظ على التوازنات المالية. حيث أكد فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية في المغرب، أن تنفيذ قانون المالية لسنة 2026 خلال الأشهر الأربعة الأولى يعكس قوة الاقتصاد الوطني واستقرار المالية العمومية، رغم الظرفية الدولية الصعبة.
ولم تعد قوة الاقتصاد المغربي مرتبطة فقط بالأرقام الرسمية، بل أصبحت تظهر بشكل واضح في قطاعات الإنتاج والاستثمار والبنية التحتية والاستقرار المالي.
وأوضح لقجع أمام مجلس المستشارين أن الاقتصاد المغربي تمكن من الحفاظ على ديناميته رغم تخفيض صندوق النقد الدولي لتوقعات النمو العالمي بسبب اضطرابات سلاسل التوريد وارتفاع أسعار النفط والغاز، خاصة مع التوترات في منطقة الشرق الأوسط ومضيق هرمز الذي تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة الطاقية العالمية.
وأشار الوزير إلى أن المغرب سجل مؤشرات إيجابية مهمة، أبرزها ارتفاع احتياطي العملة الصعبة إلى نحو 470 مليار درهم مع نهاية أبريل 2026، بزيادة تفوق 23 بالمائة مقارنة بالسنة الماضية، وهو ما يغطي قرابة ستة أشهر من الواردات. كما توقع موسما فلاحيا جيدا بفضل التساقطات المطرية، مع إمكانية بلوغ محصول الحبوب 90 مليون قنطار، ما سيدعم النمو الاقتصادي.
ويشكل قطاع الفلاحة أحد العوامل المهمة في دعم الاقتصاد المغربي، إذ تؤثر المواسم الفلاحية الجيدة بشكل مباشر على النمو الاقتصادي ومعدلات التشغيل والاستهلاك.
ومن أبرز المؤشرات العملية التي تعكس قوة الاقتصاد المغربي استمرار تدفق الاستثمارات الأجنبية نحو المملكة، خاصة في قطاعات الصناعة والطاقة المتجددة والسيارات والطيران. فقد تحول المغرب خلال السنوات الأخيرة إلى منصة صناعية إقليمية، مستفيدا من موقعه الجغرافي القريب من أوروبا والبنية التحتية الحديثة التي تضم موانئ وطرقات وشبكات لوجستية متطورة، وفي مقدمتها ميناء طنجة المتوسط الذي أصبح من أكبر الموانئ في البحر المتوسط وإفريقيا.
كما يظهر تماسك الاقتصاد المغربي في قدرة المملكة على الحفاظ على احتياطي مهم من العملة الصعبة، ما يمنحها هامشا لمواجهة الأزمات الخارجية وتقلبات الأسواق الدولية. ويُعد استقرار الاحتياطي النقدي مؤشرا أساسيا على الثقة في الاقتصاد الوطني وقدرته على تأمين الواردات والحفاظ على استقرار العملة.
وأكد لقجع أن الاقتصاد المغربي مرشح لتحقيق معدل نمو يتجاوز 5.3 بالمائة خلال سنة 2026، رغم الضغوط الدولية. كما سجلت الموارد الجبائية ارتفاعا بأكثر من 10 مليارات درهم حتى نهاية أبريل/نيسان، بنسبة نمو بلغت 8.5 بالمائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية.
ومن المؤشرات المهمة أيضا استمرار ارتفاع المداخيل الجبائية، خاصة الضريبة على الشركات والضريبة على القيمة المضافة، وهو ما يعكس استمرار النشاط الاقتصادي وتحسن أداء عدد من القطاعات الإنتاجية والخدماتية. كما يدل ارتفاع الاستهلاك الداخلي على وجود حركة اقتصادية نشطة رغم ارتفاع الأسعار عالميا.
وسجلت الضريبة على الشركات أداء قويا بزيادة وصلت إلى 25 بالمائة، بينما ارتفعت مداخيل الضريبة على القيمة المضافة ورسوم التسجيل والتمبر، إضافة إلى تحسن مداخيل الضريبة الداخلية على الاستهلاك، وهو ما اعتبره الوزير دليلا على استمرار النشاط الاقتصادي والاستهلاك الداخلي بالمملكة.
وفي المقابل، شدد لقجع على أن الحكومة تواصل دعم القدرة الشرائية للمواطنين من خلال تحمل جزء مهم من تكاليف الطاقة والنقل. وأوضح أن الدولة تخصص شهريا حوالي 600 مليون درهم لدعم غاز البوتان، و650 مليون درهم لدعم النقل، إضافة إلى 300 مليون درهم للحفاظ على استقرار أسعار الكهرباء.
وتمكن المغرب من الحفاظ على استقرار نسبي في المالية العمومية مقارنة بعدد من الدول النامية، عبر التحكم في عجز الميزانية وتوجيه الدعم نحو المواد الأساسية والطاقة والنقل.
وأشار الوزير إلى أن الحكومة تسعى إلى تقليص عجز الميزانية إلى 3 بالمائة من الناتج الداخلي الخام مع نهاية سنة 2026، وخفض نسبة المديونية إلى حدود 66 بالمائة. كما أوضح أن ارتفاع الموارد العادية للدولة خلال السنوات الأخيرة يوفر هامشا ماليا يسمح بمواجهة الأزمات وتوسيع الاستثمارات الاجتماعية.
وفي حديثه عن الوضع الدولي، كشف لقجع عن ارتفاعات كبيرة في أسعار الطاقة منذ بداية الأزمة العالمية، حيث ارتفع سعر النفط إلى متوسط 102 دولار للبرميل، كما زادت أسعار الغازوال والغاز الطبيعي والفيول المستخدم في إنتاج الكهرباء بنسب مرتفعة، ما أثر على الاقتصاد العالمي ورفع معدلات التضخم.
ومن الجوانب التي تعكس قوة الاقتصاد المغربي أيضا تنوع الشركاء الاقتصاديين للمملكة، حيث استطاع المغرب توسيع علاقاته التجارية والاستثمارية مع أوروبا وإفريقيا والخليج والولايات المتحدة، ما قلل نسبيا من تأثير الأزمات الإقليمية والدولية على اقتصاده.
كذلك، يواصل المغرب الاستثمار في مشاريع استراتيجية كبرى تشمل الطاقات المتجددة وتحلية المياه والسكك الحديدية والصناعات الحديثة، وهي مشاريع تهدف إلى تعزيز الأمن الطاقي والغذائي وتحسين تنافسية الاقتصاد على المدى الطويل.
وختم الوزير بالتأكيد على أن هذه المؤشرات الإيجابية مكنت المغرب من الحفاظ على ثقة المؤسسات المالية الدولية، من خلال تجديد خط الائتمان المرن مع صندوق النقد الدولي والحفاظ على تصنيفات ائتمانية مستقرة من وكالات دولية، إلى جانب تحسن ترتيب المملكة في مؤشر شفافية الميزانية لسنة 2025.