الامارات تجمع الخصوم وترسّخ دورها قوة سلام في أزمة أوكرانيا

الإمارات باتت عنوانًا موثوقًا لكل من يبحث عن حلول عقلانية في عالم تتراجع فيه لغة الحوار.

أبوظبي – أعلنت دولة الإمارات الجمعة استضافة محادثات ثلاثية تجمع روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا، في خطوة دبلوماسية لافتة تأتي في توقيت دولي بالغ الحساسية، وسط انسداد الأفق العسكري واستنزاف جميع أطراف الحرب الروسية–الأوكرانية.

ولا يمكن النظر إلى هذا الإعلان بوصفه إجراءً بروتوكوليًا عابرًا، بل كمحطة نوعية تعكس تنامي دور الإمارات كلاعب فاعل يسعى إلى إعادة الاعتبار للمسار السياسي بوصفه الخيار الأكثر واقعية لإنهاء الصراعات، وترسيخ موقعها كقوة سلام واستقرار في نظام دولي شديد الاضطراب.

وفي دلالة على أهمية الحدث وحرص القيادة الإماراتية على إعطاء دفعة لجهود تسوية الأزمة وإيجاد حلول سياسية للأزمة الأوكرانية وانهاء الحرب بالحوار، التقى رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان في أبوظبي رؤساء الوفود المشاركة في المحادثات الثلاثية التي تضم الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا.

وشارك في المحادثات وفود رفيعة المستوى من الأطراف الثلاثة، ضمّت مبعوثين عن الرئاسة الأميركية، ومسؤولين عسكريين وأمنيين من روسيا وأوكرانيا، إلى جانب عدد من كبار المسؤولين المعنيين بالملف. وخلال اللقاء، عبّر الشيخ محمد عن تمنياته بنجاح المفاوضات والخروج بنتائج إيجابية تسهم في إنهاء الأزمة المستمرة منذ سنوات، مؤكدا التزام الإمارات بنهجها القائم على تشجيع الحوار البنّاء ودعم المبادرات الدبلوماسية الهادفة إلى تحقيق السلام والاستقرار، بما يخدم مصلحة جميع الأطراف ويعزز الأمن الدولي.

وتنعقد المحادثات على مدى يومين في العاصمة الإماراتية، في ظل حرب دخلت عامها الرابع، خلّفت مآسي إنسانية واسعة، وأعادت رسم توازنات الأمن العالمي، وأثقلت كاهل الاقتصاد الدولي. وفي هذا السياق، تبرز أبوظبي كمساحة نادرة قادرة على جمع أطراف متخاصمة إلى طاولة واحدة، في وقت تعثرت فيه مبادرات عديدة، وتراجعت الثقة بجدوى الوساطات التقليدية.

وأكد وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان أن استضافة هذه المحادثات تنطلق من إيمان راسخ بأهمية الحوار والدبلوماسية الجادة والمسؤولة، ليس بوصفها ترفًا سياسيًا، بل ضرورة أخلاقية وإنسانية. وتمكنت الإمارات، بفضل شراكاتها الاستراتيجية المتوازنة مع الأطراف الثلاثة، من الحفاظ على موقعها كوسيط موثوق، بعيدًا عن منطق الاستقطاب أو الرهان على إطالة أمد الصراع لتحقيق مكاسب آنية.

ولا تنبع قوة الإمارات في هذا الملف فقط من علاقاتها الدبلوماسية، بل من سجل عملي ملموس في الوساطة الإنسانية، فقد نجحت خلال السنوات الماضية في إتمام 17 عملية تبادل أسرى بين موسكو وكييف، أُفرج بموجبها عن أكثر من 4 آلاف و600 أسير.

وهذا الرقم لا يعكس مجرد إنجاز إحصائي، بل يختصر فلسفة إماراتية تقوم على تخفيف المعاناة الإنسانية كمدخل لبناء الثقة، وتهيئة الأرضية لأي مسار سياسي مستدام.

وتكتسب محادثات أبوظبي أهمية إضافية كونها تأتي بعد إعلان البيت الأبيض، في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، عن مسودة خطة سلام محدّثة جرى بحثها بين واشنطن وكييف، في إطار مبادرة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب لإنهاء الحرب.

ورغم غياب التفاصيل، فإن إعادة فتح قنوات الحوار الثلاثي في الإمارات تشير إلى إدراك متزايد بأن الحلول الأحادية أو الثنائية لم تعد كافية، وأن أي تسوية واقعية تحتاج إلى مظلة دولية مرنة، ومكان محايد قادر على استيعاب الهواجس المتعارضة.

وينسجم هذا الدور مع السياسة الخارجية الإماراتية خلال العقد الأخير، والتي ركزت على الاستثمار في الاستقرار الإقليمي والدولي وتقديم نموذج لدولة متوسطة القوة قادرة على التأثير عبر الدبلوماسية، لا عبر القوة الصلبة، فالإمارات لم تقدّم نفسها يومًا كطرف يفرض حلولًا، بل كجسر تواصل، ووسيط يوفّر المساحة والضمانات، ويترك القرار للأطراف المعنية.

كما أن اختيار أبوظبي لعقد هذه المحادثات يعكس ثقة دولية في البيئة السياسية والأمنية التي وفّرتها الإمارات، وفي قدرتها على إدارة حوارات معقدة بعيدا عن الضغوط الإعلامية والاستقطابات الحادة، فالدبلوماسية الهادئة التي تفضّل العمل خلف الكواليس على الضجيج، أثبتت فاعليتها في ملفات شديدة التعقيد، من أفغانستان إلى القرن الإفريقي، وصولًا إلى الأزمة الأوكرانية.

ولا يمكن فصل هذا الحراك عن إدراك إماراتي أعمق لمخاطر استمرار الحرب على الأمن الغذائي والطاقة والأسواق العالمية، وهي قضايا تمس دول الجنوب والعالم النامي بشكل خاص. من هنا، فإن سعي أبوظبي إلى الدفع باتجاه تسوية سياسية لا يخدم أطراف النزاع فحسب، بل ينسجم مع رؤية أشمل للأمن الجماعي والاستقرار الدولي.

ولا تعد محادثات أبوظبي ضمانة فورية لإنهاء الحرب الروسية-الأوكرانية، لكنها تشكل خطوة مهمة في إعادة إحياء المسار الدبلوماسي. وتؤكد أن الإمارات باتت عنوانًا موثوقًا لكل من يبحث عن حلول عقلانية في عالم تتراجع فيه لغة الحوار.

وبينما تتعدد العواصم المنخرطة في الصراع، تواصل أبوظبي ترسيخ صورتها كعاصمة للوساطة، وقوة سلام تعمل بصبر واستمرارية، انطلاقًا من قناعة بأن الاستقرار ليس خيارًا، بل مسؤولية.