الانتقادات تضع قرطاج الدولي أمام مهمة استرضاء جمهوره

منذ الكشف عن البرمجة الرسمية لدورة هذا العام من المهرجان تم إثارة جدل حول مجموعة من النقاط بينها أجور بعض الفنانين.

تونس - تنطلق فعاليات الدورة الـ59 لمهرجان قرطاج الدولي، السبت، في المسرح الروماني بقرطاج، وسط جدل واسع وانتقادات تطال خيارات البرمجة وآليات التنظيم.

ارتباك تنظيمي اتسم بسحب معلقات، وإلغاء عروض بعيد الكشف عن البرمجة الرسمية، ونفاد تذاكر العديد من العروض بعد وقت قصير من الإعلان عنها وطرح بيع تذاكرها في السوق السوداء على شبكات التواصل الاجتماعي مما يسيء إلى صورة هذا المهرجان العريق الذي شكل منذ تأسيسه سنة 1964 منصة هامة للترويج للثقافة والأعمال الإبداعية والفنية المتنوعة من تونس ومختلف بلدان العالم.

وقوبل الإعلان عن برمجة هذه الدورة بردود فعل متباينة هيمنت عليها الانتقادات للخيارات الفنية التي رآها البعض من فنانين وفاعلين ثقافيين وحتى الجمهور لا تتماشى مع التوجهات الاستراتيجية لهذه التظاهرة العريقة والاستراتيجية الوطنية للثقافة عموما.

وكان الرئيس التونسي قيس سعيد أكد لدى لقائه بوزيرة الشؤون الثقافية أمينة الصرارفي في التاسع من يوليو/تموز الجاري بقصر قرطاج على أن الثقافة من قطاعات السيادة وليست مهرجانات ولا معارض موسمية لمدة أيام أو أسابيع، بل ينبغي أن تكون كل تظاهرة ثقافية أو فنية جزءًا من معركة أوسع من أجل الحرية والتحرّر، في تونس وفي العالم كلّه.

وذكر سعيد بالمناسبة بأن العديد من المهرجانات الثقافية الدولية في تونس عند تأسيسها ساهمت لا في الارتقاء بالفن وبسائر أشكال الإبداع الأخرى بل كانت مناسبة يلتقي فيها المناضلون من أجل الفن والارتقاء بالفكر والذوق، فضلا عن أن عددا منها كانت تتويجا لمسيرة العديد من الفنانين والمبدعين.

وشدد كذلك على أن المهرجانات كلها يجب أن تتنزل في إطار المواقف المبدئية للدولة التونسية النابعة من الإرادة الحرة للشعب التونسي ولا مجال فيها لمن لا يقاسمه مواقفه المبدئية.

وللمرة الأولى في تاريخ المهرجان منذ تأسيسه، تقام هذه الدورة دون مدير فني حيث اكتفت وزارة الشؤون الثقافية هذا العام بتكليف لجنة مختصة لتنظيم الدورة 59، وهو ما أثار العديد من التساؤلات عن أسباب هذا التوجه.

وأثير منذ الكشف عن البرمجة الرسمية للدورة جدل حول مجموعة من النقاط التي أثارت تساؤلات تعلق بعضها بأجور بعض الفنانين، حيث تصاعدت موجة انتقادات من نشطاء تونسيين تركزت خصوصا حول الفنانة نجوى كرم تحديدًا التي قيل عبر منصات التواصل المختلفة إنها سوف تتقاضى مبلغ 120 ألف دولار، نظير الحفل الذي تحييه في التاسع من أغسطس/آب المقبل ضمن فعاليات المهرجان.

ووصف نشطاء المبلغ بـ"المبالغ فيه" نتيجة محدودية ميزانية المهرجان الذي يراهن على العراقة والمكانة الرائدة والتاريخ، وليس الإغراءات المادية، وتكاد تنحصر أجوره في بضعة آلاف من الدولارات، وفق تعبير هؤلاء.

ومن بين ما أثار ضجة حول برمجة هذا العام سحب معلقة عرض الفنان الفلسطيني مروان عبدالحميد المعروف بـ"سانت ليفانت" قبل تعويضها بأخرى في اليوم التالي، فضلا عن إعلان هيئة التنظيم العدول عن برمجة عرض الفنانة الفرنسية هيلين سيغارا وسحب معلقتها بعد حملة منددة بتوجهاتها المعادية للقضية الفلسطينية. وفي المقابل نفت الفنانة، في تصريح لوسائل الإعلام الدولية، ارتباطها بأي التزام مع إدارة المهرجان.

وهذا ما أكدته هند المقراني المديرة العامة للمؤسسة الوطنية لتنمية المهرجانات والتظاهرات الثقافية والفنية والتي تولت تقديم جملة من المعطيات حول الدورة المرتقبة خلال المؤتمر الصحفي الذي انتظم لتقديم تفاصيل نسخة هذا العام، حيث قالت إن المهرجان لم يتعاقد مع الفنانة المعنية، موضحة أنه تم التواصل فعليا مع إدارة أعمال الفنانة، لكن إدارة المهرجان هي التي قررت عدم استكمال هذه الخطوة، مشيرة إلى أن إدارة المهرجان تمتلك جميع الوثائق والمؤيدات التي تثبت أن سيغارا كانت تعلم ببرمجة العرض بما في ذلك إرسالها الملف الفني الخاص بحفلها.

كما أن يسر حزقي، المكلفة بالإعلام والاتصال بالمهرجان، كانت أوضحت في تصريح لوكالة تونس أفريقيا للأنباء (وات)، أن حفل "سان ليفانت" لم يلغ من البرمجة الرسمية للدورة 59 لمهرجان قرطاج الدولي، لافتة إلى أن "سحب الملصق الخاص به من الصفحة الرسمية جاء فقط بهدف إدخال تعديلات عليه، وأنه سيتم إعادة نشره لاحقا"، نافية بشكل قاطع أن يكون حذف الملصق له علاقة بإلغاء الحفل، مؤكدة أن الفنان ما يزال ضمن قائمة العروض المبرمجة لهذا الصيف.

وتتضمن البرمجة بجانب عرض للفنان "سانت ليفانت"، العديد من العروض الداعمة للقضية الفلسطينية من بينها عرض الافتتاح للمايسترو محمد القرفي الذي يتضمن مشهدا يؤرخ دعم تونس لفلسطيني منذ الاستقلال، كما يحتفي عرض الفنان رياض الفهري "بساط أحمر 2" بأطفال رام الله، ويصدح صوت الفنانة الفلسطينية ناي البرغوثي في عرض "تخيل روحك تسمع" للفنان كريم الثليبي، بالإضافة إلى عرض للفنان محمد عساف الذي يعود إلى ركح قرطاج بعد أن اعتلى ركح هذا المسرح الروماني في الدورة الواحدة والخمسين في العام 2015.

ويضم برنامج هذه الدورة التي تتواصل إلى غاية الحادي والعشرين من أغسطس/آب المقبل، عشرين عرضا لفنانين وفرق موسيقية من تونس وبلدان عربية وأجنبية. وقد غابت القارة الأفريقية تقريبا عن برمجة هذه السنة، لأول مرة، رغم الدور التاريخي للمهرجان في مدّ جسور التعاون الثقافي والفني بين شمال القارة وعمقها الأفريقي، في حين تستأثر العروض العربية بنصيب الأسد ضمن البرمجة حيث تسجل الدورة حضورا لافتا لأصوات فنية من لبنان من أجيال مختلفة، من ذلك نجوى كرم ونانسي عجرم وناصيف زيتون وآدم والموسيقار إبراهيم معلوف، إلى جانب الفنانة المصرية مي فاروق والإماراتية أحلام التي ستختتم عروض الدورة.

وفي ما يتعلق بغياب العروض الأفريقية عن دورة هذا العام، قالت المقراني إن هذا الغياب غير معتاد لكن الأمر يعود إلى ضغط البرنامج وعدم توافر بعض الفرق والفنانين الأفارقة في توقيت المهرجان.

ويحضر الفن التونسي في ثماني سهرات بإمضاء الموسيقار محمد القرفي ورياض الفهري ولطيفة العرفاوي وصوفية صادق وكريم الثليبي وعديد الفنانين الآخرين الذين يشاركون في سهرة "من قاع الخابية"، عرض الافتتاح، وسهرة "قائدي الاوركسترا" و"سهرة تونسية" بإمضاء المايسترو يوسف بالهاني،إلى جانب عرض مسرحي لعزيز الجبالي.

ويتابع جمهور هذه الدورة بخصوص العروض الأجنبية سهرة لفرق فلكلورية من أنحاء العالم وعرض للفنان كيماني مارلي (نجل الفنان العالمي بوب مارلي)، إلى جانب سهرة للأطفال بإمضاء الفنانة الفرنسية شونتال غويا.

ويبقى تطلع الجمهور وأهل الموسيقى والثقافة والفن عموما كبيرا، لمدى قدرة هذه الدورة على تدارك عثراتها التنظيمية واستعادة ثقة المتابعين لهذا المهرجان الدولي العريق، بما ينسجم مع السياسة الوطنية الرامية إلى جعل الثقافة والفنون في قلب مشروع وطني سيادي يؤكد مكانة تونس الثقافية إقليميا ودوليا.

ويُقام مهرجان قرطاج في موقع أثري مسجل ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو منذ سنة 1979، ويمثّل المهرجان منذ تأسيسه سنة 1964 أحد أبرز المنصات الثقافية والفنية في المنطقة العربية، جامعًا بين أصوات كبار الفنانين وأسماء فنية جديدة من مختلف أنحاء العالم، مما يجعل الإقبال على سهراته الصيفية كبيرا حيث يحضره جمهور لا فقط من العاصمة بل من عديد المدن داخل تونس، فضلا عن ضيوف من عديد البلدان العربية والأجنبية، هذا الإقبال الكبير قابله نفاد سريع للتذاكر وانتعاش للسوق السوداء التي تباع فيها التذاكر بأسعار مضاعفة مما أثار استياء الجمهور الواسع وعلت أصوات كثيرة، وصلت إلى قبة البرلمان، إذ دعت نائبة إلى محاسبة المسؤولين عن هذه الممارسات والتصدي لظاهرة احتكار التذاكر وبيعها في سوق سوداء وهي ظاهرة طالت عدة مهرجانات.