البرتغال تتوج حاكم الشارقة بأرفع وسام ثقافي سيادي
لشبونة - في لحظة رمزية كثيفة الدلالات، اختارت جمهورية البرتغال أن تكرّم مسارا ثقافيا ممتدا لعقود، لا مجرد شخصية اعتبارية، بمنح الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى للاتحاد حاكم الشارقة، القلادة الكبرى لوسام كامويش، أرفع وسام ثقافي سيادي في البلاد.
والشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي هو أول شخصية عربية والسادس عالميًا ينال هذا الوسام، في تكريم يتجاوز طابعه البروتوكولي ليعبّر عن اعتراف دولي بدور الثقافة كقوة ناعمة قادرة على إعادة صياغة العلاقات بين الشعوب، وتصويب مسارات التاريخ نحو التعاون بدل القطيعة.
وجاء الاحتفاء في قصر الرئاسة بالعاصمة لشبونة، بحضور رسمي وثقافي وإعلامي واسع، عكس حجم المكانة التي يحظى بها حاكم الشارقة في الأوساط الفكرية العالمية.
ولم يكن اختيار وسام كامويش، المرتبط بالتراث الأدبي والإنساني البرتغالي، اختيارًا اعتباطيًا، بل رسالة واضحة بأن الإسهام الثقافي العميق والعابر للحدود بات معيارًا أساسيًا في تقييم الأدوار الدولية للدول وقادتها.
في كلمته خلال الحفل، قدّم الرئيس البرتغالي مارسيلو ريبيلو دي سوزا قراءة سياسية-ثقافية لزيارة حاكم الشارقة، معتبرا إياها امتدادًا طبيعيًا لعلاقات تاريخية تجمع البلدين، وقائمة على الاحترام المتبادل والانفتاح المعرفي.
وأبرز كذلك البعد الإنساني في هذا التكريم، مشددًا على أن الحوار بين الثقافات لم يعد خيارًا فكريًا نخبويًا، بل ضرورة اجتماعية لضمان التعايش والاستقرار، في عالم تتزايد فيه الانقسامات والهويات المغلقة. كما عبّر عن قناعة راسخة بأن التنوع الثقافي يشكّل رافعة أساسية للإدماج الاجتماعي، وموردًا مشتركًا ينبغي صونه وتنميته للأجيال القادمة.
من جهته، قدّم حاكم الشارقة خطابًا اتسم بعمق فلسفي ونبرة إنسانية هادئة، وضع فيه التكريم ضمن سياقه الحضاري الأشمل. ولم ينظر إلى الوسام بوصفه إنجازًا شخصيًا، بل كإشارة تقدير لمسار ثقافي عربي وإماراتي، ولخيار استراتيجي آمنت به الشارقة منذ عقود، قوامه الاستثمار في المعرفة، وحماية التراث، وبناء الإنسان. وأكد أن الثقافة ليست ترفًا ولا زينة خطابية، بل حاجة وجودية، وأن غيابها يفرض كلفة باهظة على المجتمعات، سواء على مستوى الاستقرار أو التنمية أو القدرة على فهم الآخر.
واستعاد الشيخ سلطان بن محمد القاسمي من على منبر لشبونة، تاريخ العلاقات بين البرتغال والمنطقة العربية، ولا سيما الخليج، في قراءة نقدية ترى في الثقافة أداة قادرة على إنصاف الماضي، وبناء الحاضر، واستشراف المستقبل، فالتاريخ، وفق هذا المنظور، ليس سردية مغلقة، بل مسار قابل للتصويب حين تتقدم الثقافة على الصراعات، ويحل الحوار محل الأحكام المسبقة. ومن هنا، اعتبر أن ما يجمع اليوم بين الشارقة والبرتغال هو تعاون صنعته الثقافة، ورؤية مشتركة ترى في المعرفة جسرًا لا جدارًا.
ولم يغب البعد الإنساني التضامني عن خطاب حاكم الشارقة، إذ عبّر عن تعاطفه العميق مع الشعب البرتغالي في أعقاب العاصفة الأخيرة التي أودت بحياة عدد من المواطنين، في لفتة تؤكد أن العلاقات بين الدول لا تُبنى فقط على المصالح، بل على القيم المشتركة والتعاطف الإنساني.
ويأتي هذا التكريم تتويجا لمسار طويل من المبادرات الثقافية التي أطلقها صاحب حاكم الشارقة، وأسهمت في تعزيز حضور الثقافة العربية في المحافل الدولية، وفتح قنوات تواصل مستدامة مع مؤسسات فكرية وأكاديمية حول العالم. فقد تحولت الشارقة، بفضل هذا النهج، إلى منصة عالمية للحوار الثقافي، ومختبر حي لتجارب التعايش بين الثقافات، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن المعرفة المشتركة هي الأساس المتين لأي شراكة إنسانية طويلة الأمد.
ولا يمكن قراءة منح وسام كامويش لحاكم الشارقة بوصفه حدثًا منفصلًا، بل باعتباره لحظة دالة في مسار دولي متنامٍ يعيد الاعتبار لدور الثقافة في العلاقات الدولية.
وهذا اعتراف بأن بناء المستقبل لا يتم فقط عبر الاقتصاد والسياسة، بل عبر الاستثمار في العقل والكتاب واللغة، وعبر الإيمان بأن الحوار بين الحضارات ليس شعارًا أخلاقيًا، بل خيارا استراتيجيا لمواجهة تحديات عالم مضطرب.