البرهان يحشد لحرب طويلة تقطع مع الحل السياسي
الخرطوم - جدّد رئيس مجلس السيادة قائد الجيش السوداني عبدالفتاح البرهان، تأكيده استمرار العمليات العسكرية ضد قوات الدعم السريع، قائلا إن المواجهات لن تتوقف إلا بانتهاء ما وصفه بـ"التمرد"، في تصريحات تعكس طبيعة المقاربة التي يتبناها الجيش في إدارة الحرب المستمرة منذ أبريل/نيسان 2023، وهي مقاربة تقوم أساساً على التعبئة الشاملة والتصعيد العسكري بوصفه الطريق الوحيد لإنهاء الصراع مع قوات الدعم السريع.
وفي كلمته عقب صلاة الجمعة شرقي الخرطوم، أعاد البرهان التأكيد أن القتال "لن ينتهي إلا بنهاية التمرد"، واصفاً المواجهة بأنها "معركة الكرامة"، داعياً القبائل والمجتمعات والطرق الصوفية إلى الاصطفاف خلف الجيش. هذا الخطاب يحمل دلالات سياسية وعسكرية واضحة: فهو يضع خيار الحسم العسكري فوق أي مسار للتهدئة أو التفاوض، ويؤطر الحرب بوصفها معركة وجودية لا تقبل الحلول الوسط.
غير أن هذا التوجه يثير تساؤلات جدية حول جدواه الواقعية وتداعياته الإنسانية، فالحرب السودانية، بعد ما يقارب عامين من اندلاعها، تبدو أقرب إلى صراع استنزاف طويل الأمد لا غالب فيه ولا مغلوب بشكل حاسم، فقوات الدعم السريع تسيطر على معظم ولايات دارفور الخمس، بينما يحتفظ الجيش بالسيطرة على غالبية الولايات الأخرى بما فيها الخرطوم. وهذا التوازن القاسي في موازين القوة يجعل الحديث عن "نصر حاسم" أمراً بعيد المنال في المدى المنظور، ويحول التصعيد العسكري إلى وصفة لتكريس المأساة بدل إنهائها.
ويفاقم تقديم البرهان للخيار العسكري على حساب التهدئة والحوار معاناة المدنيين ويطيل أمد الحرب، فكل جولة تصعيد جديدة تعني مزيداً من القتلى والجرحى، وموجات نزوح أوسع، وتدهوراً أعمق للأوضاع الإنسانية التي تعد بالفعل من الأسوأ عالمياً، مع نحو 13 مليون نازح وعشرات الآلاف من الضحايا. كما أن خطاب التعبئة العامة واستدعاء القبائل والطرق الصوفية إلى ساحة الصراع ينطوي على مخاطر إضافية، إذ قد يوسع دائرة العنف ويحول الحرب من صراع بين قوتين عسكريتين إلى مواجهة مجتمعية أوسع ذات طابع أهلي.
من زاوية أخرى، يبدو أن خطاب البرهان يتجاهل طبيعة الحرب الحالية بوصفها حرباً بلا أفق واضح للحسم. فالتجارب التاريخية في السودان وفي أزمات مشابهة تشير إلى أن التصعيد المستمر في صراعات كهذه لا يؤدي إلى نهاية سريعة، بل يرسخ الانقسام، ويستنزف الدولة، ويعمّق الانهيار الاقتصادي والاجتماعي. وكلما طال أمد الحرب، طالت مآسي السودانيين، وتآكلت مؤسسات الدولة، وتراجع الأمل في انتقال سياسي مستقر.
وإلى جانب ذلك، يتعارض توجه البرهان التصعيدي مع الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى إنهاء الحرب، فوساطات عدة، سواء من دول الجوار أو من منظمات إقليمية ودولية، فشلت خلال الأشهر الماضية في وقف إطلاق النار وفتح مسارات تفاوض إنساني وسياسي، غير أن التشديد على "نهاية التمرد" كشرط مسبق للحل يقلّص مساحة المناورة الدبلوماسية، ويضعف فرص التوصل إلى تسوية تفاوضية، ويبعث برسالة مفادها أن الخرطوم غير مستعدة لتقديم تنازلات سياسية ضرورية لإنهاء النزاع.
كما أن خطاب البرهان الذي يرفض "فرض حلول من الخارج" يعكس حساسية سيادية مفهومة، لكنه قد يتحول عملياً إلى عائق أمام أي تسوية برعاية دولية، في وقت يحتاج فيه السودان إلى دعم إنساني واسع وضمانات دولية لوقف إطلاق النار وحماية المدنيين.
وتكشف تصريحات البرهان عن خيار استراتيجي قائم على الحسم العسكري والتعبئة الشاملة، لكن هذا الخيار يبدو، في ضوء واقع الميدان وطبيعة الصراع، الخيار الأسوأ للسودان والسودانيين، فبدلاً من تقريب نهاية الحرب، فإنه يطيل أمدها، ويعمّق جراحها، ويضع البلاد في مواجهة مباشرة مع مسارات التهدئة الإقليمية والدولية التي تمثل اليوم ربما الفرصة الأجدى لوقف نزيف الدم وفتح أفق سياسي جديد.