البرهان يفتح الباب لدمج الجماعات المسلحة في الجيش

عبدالفتاح البرهان يصدر قرارًا يقضي بإخضاع كافة القوات المساندة التي تحمل السلاح وتقاتل إلى جانب الجيش لأحكام قانون القوات المسلحة السودانية.
بعض المجموعات المسلحة متهمة بتبني أفكار متطرفة

الخرطوم - أصدر الفريق أول عبدالفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش السوداني، قرارًا يوم الأحد يقضي بإخضاع كافة القوات المساندة التي تحمل السلاح وتقاتل إلى جانب الجيش، لأحكام قانون القوات المسلحة السودانية لسنة 2007 وتعديلاته. وهو ما يُنظر إليه كمقدمة قانونية لدمج هذه القوات في الجيش الرسمي، في خطوة قد تعيد رسم توازنات القوة في البلاد وتثير جدلاً واسعاً حول شرعية هذه الترتيبات في ظل الخلفيات الأيديولوجية والميدانية لتلك التشكيلات.
ويشمل القرار بحسب بيان رسمي "جميع القوات المساندة العاملة مع القوات المسلحة"، على أن توضع تحت إمرة قادة الجيش في مختلف المناطق العسكرية، ويبدأ سريان القرار اعتباراً من تاريخ صدوره في تطور لافت يعكس تغيّرًا محتملاً في بنية المؤسسة العسكرية السودانية.
وفي ظاهرها، تهدف هذه الخطوة إلى ضبط وتنظيم العلاقة بين الجيش والتشكيلات القتالية التي وقفت معه خلال الحرب المستمرة منذ أبريل/نيسان 2023 ضد قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي). لكن في عمقها، تطرح هذه الخطوة تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت محاولة لمنح هذه الجماعات المسلحة غطاءً قانونياً ومؤسسياً، بل وحتى مكافأة لها على الدور الذي لعبته في الصراع، رغم ما يحيط بها من اتهامات بارتكاب انتهاكات جسيمة ضد المدنيين.
تشير تقارير ميدانية إلى أن بعض هذه القوات – مثل "فيلق البراء بن مالك"، و"المقاومة الشعبية"، و"قوات درع السودان" – تتبنى أفكارًا إسلامية متشددة، وتعمل خارج الأطر النظامية التقليدية. كما وردت في حقها مزاعم بارتكاب جرائم حرب وانتهاكات ضد المدنيين في مناطق متعددة، خاصة في إقليم دارفور. وهو ما يجعل قرار إخضاعها لقانون الجيش محل ريبة، إذ يرى بعض المراقبين أنه بمثابة "غسل قانوني" لتاريخ حافل بالتجاوزات، بدلًا من إخضاع تلك المجموعات للمحاسبة والمساءلة.
القرار لم يُسمِّ هذه القوات بشكل مباشر، لكن من المعروف أن عددًا من الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا للسلام في أكتوبر/تشرين الأول 2020، انحازت إلى الجيش في حربه ضد الدعم السريع، وشاركت إلى جانبه في ما يُعرف بـ"القوات المشتركة". ويبدو أن إخضاعها لقانون الجيش يأتي كمحاولة لدمجها رسميًا تحت راية المؤسسة العسكرية، وهو ما قد يُحوِّل هذه التشكيلات من ميليشيات غير نظامية إلى وحدات "شرعية" ضمن الجيش السوداني.
هذا التوجه، إن تم، سيعيد تشكيل الخريطة العسكرية والسياسية في السودان، ويمنح البرهان قاعدة دعم جديدة داخل الجيش ذاته، خاصة في ظل الخسائر البشرية والبنيوية التي تعرّضت لها المؤسسة العسكرية في سياق الحرب الحالية، والتي استنزفت قدراتها وأثارت تساؤلات حول تماسكها وقدرتها على الاستمرار منفردة في مواجهة الدعم السريع.
يأتي القرار أيضًا في وقت يُعيد فيه الجيش ترتيب صفوفه، حيث أعلن المتحدث باسمه، العميد نبيل عبدالله، عن ترقية عدد من الضباط من مختلف الدفعات إلى رتب أعلى، وإحالة آخرين إلى التقاعد، في خطوة يُعتقد أنها تهدف إلى تجديد الدماء داخل قيادة الجيش، وتثبيت العناصر الموالية للقيادة الحالية. ومن المرجح أن تُكمّل هذه التغييرات البنيوية خطوة إدماج القوات المساندة، لتشكيل تكتل عسكري أكثر ولاءً للبرهان في مواجهة التحديات المتصاعدة داخليًا وخارجيًا.
ومع ذلك، فإن دمج القوات المساندة دون عملية تحقق شاملة في خلفياتها وانتهاكاتها المحتملة، قد يضع الجيش السوداني أمام أزمة شرعية، داخليًا وخارجيًا. فبعض هذه التشكيلات متهمة بممارسات طائفية وعنصرية، والتورط في عمليات انتقامية ضد المدنيين على أساس مناطقي أو إثني، وهو ما يمكن أن يقوّض أي جهود لاحقة لتحقيق العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية.
ويرى محللون أن إدماج هذه الجماعات المسلحة، من دون إخضاعها لبرامج إصلاح وتأهيل حقيقية، يمكن أن يعزز من ظاهرة عسكرة الدولة، ويحوّل السودان إلى دولة تسودها مراكز قوى مسلحة متعددة تحت عباءة الجيش، دون وحدة عقيدة أو انضباط مؤسسي. كما يُنذر ذلك بترسيخ الانقسامات داخل المؤسسة العسكرية نفسها، خاصة إذا تم دمج قوات على أسس جهوية أو عقائدية.
رغم أن القرار قد يُقرأ كجزء من مساعي تنظيم العلاقة بين الجيش وحلفائه على الأرض، إلا أنه في واقع الأمر يثير مخاوف حقيقية بشأن المسار الذي تتجه إليه المؤسسة العسكرية السودانية. فبدلًا من بناء جيش وطني موحّد يخضع لمساءلة قانونية ومؤسساتية، يبدو أن السلطة الحاكمة تمضي في خيار توسيع القاعدة العسكرية على حساب المعايير المهنية والحقوقية.
وإذا لم يُقترن هذا القرار بآلية شفافة لتصفية الانتهاكات ومحاسبة المتورطين، فإن السودان قد يجد نفسه أمام مشهد جديد من الفوضى المقنّنة، حيث تُكافأ الجماعات المسلحة على عنفها، لا تُحاسب عليه.