البيروني العقل الذي سبَق زمانه بألف عام
في العصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية (القرن الرابع الهجري) بلغت العلوم الإسلامية والعقلية ذروة نضجها واستقرارها، وذلك عندما برع العلماء العرب والمسلمون في طيف واسع من العلوم، محولين المعرفة من النقل إلى البحث والتجربة والإبداع والابتكار.
ففي مجال الطب والصيدلة برز أبوبكر الرازي، وأبو القاسم الزهراوي، وفي مجال الفلك والتنجيم برز عبد الرحمن الصوفي وأبو محمود الخجندي، وفي مجال الرياضيات والهندسة برز أبو الوفاء البوزجاني، وفي مجال الكيمياء برز أبو القاسم المجريطي، وفي مجال البصريات برز ابن سهل، وفي مجال الجغرافيا ورسم الخرائط برز المسعودي.
وقد كان على رأس قائمة العلماء الذين اشتغلوا بالعلوم الإنسانية في هذا القرن أبو الريحان أحمد بن محمد البيروني الخوارزمي، فقد أسهم في تطور علم الإنسانيات بفروعه المختلفة، ولم يكن هناك من يفوقه في أية أمة عاصرته.
ريادة العرب في مجال العلوم الاجتماعية والإنسانية:
في كتاب ''تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة'' للبيروني، وضعت اللبنة الأولى لعلمي الاجتماع والإنسانيات ففي هذا الكتاب نجد بحثاً مهماً في أديان الهند وفي عادات وتقاليد شعوب شبه القارة الهندية، وهي دراسات عميقة غير مسبوقة في هذا المجال في ذلك الوقت.
وفي القرن الرابع عشر الميلادي وضع المفكر العربي ابن خلدون أُسس علم الاجتماع في إطار مقدمته لكتابه العبر وديوان المبتدأ والخبر، وحلَّلَ فيها الظواهر الاجتماعية تحليلاً عبقرياً يقوم على الطريقة العلمية لا على مجرد النقل عن السابقين. وفي تلك المقدمة: نجد البدايات الأولى لعلمي الاقتصاد والاقتصاد السياسي تطل على الفكر الإنساني لأوَّل مرة، ونجد أوَّل بحث في فلسفة التاريخ.
البيروني (362-440هـ/ 963 -1048م)
أبو الريحان أحمد بن محمد البيروني الخوارزمي، أحد ألمع الوجوه في تاريخ الفكر الإسلامي وأكثرها جاذبية، وعلى الرغم من أن اسم البيروني يحتل مكانته من الأدب العربي في ميدان الجغرافيا والرحلات، إلا أنه يتبين لنا من خلال المصنفات التي سنراها أنه كان رياضيًا وفلكيًا وفيزيائيًا، وفيلسوفًا، وشاعرًا وأديبًا، وعالم اجتماع ومؤرخًا!.
برز في كل فروع المعرفة الإنسانية، أو بعبارة أخرى: كان مؤلِّفًا انتظم نشاطه كل دائرة العلوم المعاصرة له، والتي تحتل بينها العلوم الرياضية والفيزيائية مكانة الصدارة عنده.
ولد البيروني في بلدة بيرون، إحدى ضواحي مدينة ''كاث'' عاصمة الدولة الخوارزمية، سنة (362هـ/ 963م)، اطَّلع على فلسفة اليونانيين والهنود، وعلت شهرته، وارتفعت منزلته عند ملوك عصره.
كان لمؤلفاته اليد الطُّولى في صناعة أمجاد عصر النهضة والثورة الصناعية في العالم الغربي، فقد حدَّد بدقة خطوط الطول وخطوط العرض، وناقش مسألة ما إذا كانت الأرض تدور حول محورها أم لا، وسبق في ذلك جاليليو وكوبرنيكوس، كما وضع قاعدة حسابية لتسطيح الكرة، أي نقل الخطوط والخرائط من الكرة إلى سطح مسطح وبالعكس، وبهذا سهل رسم الخرائط الجغرافية. إضافة إلى الاكتشافات الأخرى العديدة في مجال الطبيعيات كما سنراها.
وقد رحل البيروني إلى الهند وأقام فيها بضع سنين، نتج عنها كتابه الطائر الصيت، المعروف بكتاب الهند، والموسوم بـ''كتاب البيروني في تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة''. أودع فيه نتيجة دراساته من تاريخ وأخلاق وعادات وعقائد وآداب وعلوم الهند، ومن جملتها ما كان عندهم من المعرفة بصورة الأرض.
يقول المستشرق الروسي فيكتور رومانوفيتش روزن عن كتاب البيروني عن الهند: "هذا الكتاب أثر فريد في بابه، لا مثيل له في الأدب العلمي القديم أو الوسيط، سواء في الغرب أم في الشرق!".
وللبيروني أيضًا كتب أخرى كثيرة ومهمة في ضروب مختلفة من العلم، فالحقيقة أن هذا العالم الفذ لم يترك مجالاً من مجالات العلم والمعرفة إلا طَرقه وصنَّف فيه مؤلفات هامة. وقد ذكر ياقوت الحموي، أن مؤلفاته تفوق حِمل بعير، في حين قدرها مؤرخو العلم بمائة وثمانين مصنفاً بين كتاب ورسالة ومقالة في الرياضيات والفلك والتنجيم والطبيعيات والجيولوجيا والمعادن والطب والصيدلة والظواهر الجوية والآلات العلمية والجغرافيا والتقاويم والفلسفة والأديان والاجتماع والخوارق والأدب.
البيروني واضع اللبنة الأولى لعلمي الاجتماع والإنسانيات:
لكن الإبداع عند البيروني بلغ الذروة عندما تطرَّق إلى العلوم الإنسانية مشيداً ذلك الجسر المتين (هدف العصر اليوم) بين العلوم الطبيعية والدقيقة وعلوم الإنسان الاجتماعية فكان كتابه ''تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة'' أهم أثاره على الإطلاق، بعد أن ملك زمام اللغة السنسكريتية وأصبح أستاذاً لأساتذته الهنود بنقله إليهم نمط حياة وفكر المسلمين، إذ قيضت له الدراسة المعمقة لعقيدة الهنود الدينية وعلمه بالمانوية والمسيحية الشرقية واليهودية مقارنة التيارات الدينية السائدة في تلك الحقبة من تاريخ البشرية، وأن يتحف التراث الإنساني، وللمرة الأولى، بالصلة الوثقى التي تربط بين المعتقدات المسيحية والمانوية ( أتباع ماني) واليهودية والإسلام.
ولم تقتصر دراساته على الجانب الديني البحت إذ إنه تطرَّق في فصول طويلة إلى التنظيم الاجتماعي السائد في الهند والجغرافيا والرياضيات والطب الهندوسي. وبخلاف معاصريه لم يرَ البيروني في الهند قارة للاستلاب بل منهلاً للعلوم والفنون ومعيناً للحضارات كان يجهله العرب والمسلمون في حينه.
هكذا يظهر البيروني العالم المسلم مَعْلَمًا في التسامح وتفهم ثقافة الآخرين، ولا غرو فهو القائل: "إذ ابتغيت محبة الشعوب فعليك بتعلم لغتهم واحترام عوائدهم وتقاليدهم وفكرهم ومعتقدهم".
وبعد إنجازات مبهرة وحياة علمية حافلة بالعطاء، وفي رجب سنة 440هـ / 1048م تُوفي البيروني رحمه الله، وفي خبر وفاته يحكي أبو الحسن علي بن عيسى فيقول: "دخلت على أبي الريحان وهو يجود بنفسه، فقال لي: كيف قلتَ لي يومًا في حساب الجدّات الفاسدة؟ فقلت له إشفاقًا عليه: أفي هذه الحالة؟ قال: يا هذا، أُودِّع الدنيا وأنا عالم بهذه المسألة، أَلاَ يكون خيرًا من أن أخلِّيها وأنا جاهل بها؟ فأعدتُ ذلك عليه وحفظ، وعلّمني ما وعد، وخرجت من عنده، وأنا في الطريق فسمعت الصراخ عليه"!.
يقول المستشرق الأميركي آرثر بوب: "... في أية قائمة لأسماء كبار علماء الدنيا ينبغي أن يشغل اسم البيروني موقعًا سامياً، إذ لا يمكن أن يكتمل أي تاريخ للرياضيات أو الفلك أو الجغرافيا أو علم الإنسان أو مقارنة الأديان دون الاعتراف بإسهامه العظيم في تلك العلوم".
ويقول أيضًا: "...ومن الممكن حصر عدد كبير من الاقتباسات من مؤلفات وضعها البيروني منذ ألف عام، وهى أسبق من الكثير من المناهج والمواقف العقلية التي يُظن اليوم أنها حديثة".