التحلية كخيار استراتيجي: من الرؤية الملكية إلى تنزيل السياسات المائية

الرهان على التحلية ليس مجرد استجابة طارئة للجفاف أو تقلبات المناخ، بل هو اختيار استراتيجي طويل المدى.

استنادًا إلى معطيات رسمية مُحدّثة صادرة عن المديرية العامة لهندسة المياه، التابعة لوزارة التجهيز والماء، يستغل المغرب اليوم 17 محطة لتحلية مياه البحر بطاقة إنتاجية تبلغ حوالي 320 مليون متر مكعب سنويًا، فيما يجري إنجاز أربع محطات كبرى جديدة بطاقة مرتقبة تصل إلى 532 مليون متر مكعب سنويًا. وبذلك، سيرتفع المجموع إلى أزيد من 850 مليون متر مكعب سنويًا، أي ما يعادل 2.3 مليون متر مكعب يوميًا، وهو رقم كفيل بإحداث نقلة نوعية في منظومة الأمن المائي الوطني.

رؤية ملكية استباقية

منذ سنوات، شدّد الملك محمد السادس، في خطبه السامية، على أن الأمن المائي قضية سيادة وطنية لا تقل أهمية عن الأمن الغذائي أو الطاقي. وقد دعا إلى اعتماد حلول مبتكرة، وفي مقدمتها تحلية مياه البحر، كخيار استراتيجي لمواجهة آثار التغير المناخي وندرة الموارد الطبيعية.

هذه الرؤية الملكية لم تبق في حدود التوجيهات الاستراتيجية، بل تحوّلت إلى سياسة عمومية متكاملة جعلت من الماء أولوية وطنية عابرة للحكومات والبرامج الظرفية.

وزارة التجهيز والماء: من التوجيه إلى التنفيذ

تضطلع وزارة التجهيز والماء بدور محوري في تنزيل الرؤية الملكية على أرض الواقع، من خلال:

1 إطلاق مشاريع كبرى للتحلية على طول السواحل المغربية لتأمين تزويد المدن والمراكز الحضرية والساحلية.

2 إعادة هيكلة المنظومة المائية عبر الدمج بين التحلية واستعمال المياه السطحية والجوفية وإعادة استعمال المياه العادمة المعالجة.

3 إرساء شراكات بين القطاعين العام والخاص لضمان التمويل والاستدامة الاقتصادية للمشاريع.

4 إدماج البعد الطاقي عبر ربط وحدات التحلية بالطاقات المتجددة (الرياح والشمس) للحد من الكلفة وضمان استدامة بيئية.

وبهذا، يتحول عمل الوزارة إلى ترجمة عملية للرؤية الملكية، حيث تلتقي الاستباقية السياسية بالنجاعة التنفيذية.

التحلية: خيار استراتيجي لا مجرد حل تقني

الرهان على التحلية ليس مجرد استجابة طارئة للجفاف أو تقلبات المناخ، بل هو اختيار استراتيجي طويل المدى. فالمغرب، بفضل توجيهات الملك، يمر من "اقتصاد المطر" إلى "اقتصاد القرار"، حيث يصبح الماء موردًا يُنتج بالعلم والتكنولوجيا والتخطيط، لا بالصدفة المناخية.

الفرص والتحديات

ضمان استقرار المدن الساحلية، تحرير المياه السطحية لتوجيهها نحو الزراعة والصناعة، وجعل يقين الماء أساسًا لليقين الاستثماري.

التحكم في الكلفة الطاقية، ضمان عدالة مجالية حتى لا يبقى الساحل وحده في مأمن مائي، والتقليص من الأثر البيئي للرجيع الملحي.

من الطموح إلى الأثر

إن ما يميز التجربة المغربية اليوم هو قدرتها على تحويل الرؤية الملكية إلى واقع ملموس. فالمشاريع التي أُطلقت ليست مجرد أرقام أو أوراش تقنية، بل هي ترجمة لسياسة دولة تراهن على الماء كشرط أساسي للأمن والاستقرار والنمو.

وبقدر ما تُضاعف وزارة التجهيز والماء جهودها في تنزيل هذه الرؤية، بقدر ما يصبح المغرب نموذجًا قارّيًا في صناعة الأمان المائي، لا في تدبير الندرة فقط.