التحولات الديمقراطية وملامح الشرق الأوسط الجديدة

بقلم: د. لؤي صافي

"ما نشهده هنا، بمعنى من المعاني، هو النمو—المخاض الذي يرافق ولادة شرق أوسط جديد، ولذلك يجب علينا أن نكون على ثقة بأن كل ما نفعله يصب في اتجاه تحقيق الشرق الأوسط الجديد لا العودة إلى القديم." هذه الكلمات رددتها وزيرة الخارجية الأميركية كونداليسا رايز في المؤتمر الصحفي الذي عقدته في واشنطن في الحادي والعشرين من تموز/يوليو 2006 في سياق توضيح سبب معارضة الإدارة الأميركية وقف القتال بين إسرائيل وقوات حزب الله اللبناني أثناء مداولات مجلس الأمن.

يشهد العالم اليوم ولادة شرق أوسط جديد ولكنه على نقيض أمنيات السياسات الخارجية الأميركية الثابتة منذ عقود تجاه هذه المنطقة الحساسة. التغيرات الكبيرة في المنطقة بدأت من لبنان قبل خمس سنوات بقيام ثورة الأزر التي أسقطت الحكومة وأجبرت الجيش السوري على الانسحاب. وبدأ الشرق الأوسط يأخذ شكله الجديد عندما أخفق الجيش الإسرائيلي في حرب استمرت لاربع وثلاثين يوما وعجزه عن تحقيق نصر عسكري في أطول حرب خاضتها الدولة العبرية منذ تأسيسها ضد قوة عربية.

وتأتي ثورة الياسمين التونسية وانتفاضة الجماهير المصرية لتكمل الصورة الجديدة وتؤكد أن ثمة تحولات كبيرة في المنطقة العربية وأن ملامح شرق أوسط جديد آخذة بالتشكل. ويبدو اليوم بوضوح أن ثمة تغيرات هامة في طبيعة الرؤى والقوى السياسية في العالم العربي. هل تشهد منطقة الشرق الأوسط تغيرات حقيقة نحو واقع جديد؟ وما طبيعة الرؤى السياسية المؤثرة في منطقة الشرق الأوسط؟ وما طبيعة القوى السياسية الفاعلة فيها اليوم؟ هذه بعض الأسئلة التي نسعى إلى إستشفافها في هذه العجالة.

المشهد الجديد

التحولات الكبيرة التي تجري اليوم على الساحة العربية بدءا من تونس ومرورا بمصر يرتبط في المقام الأول بعجز دولة الاستغلال العربية التي ظهرت في مرحلة ما بعد الاستعمار عن تحقيق الحياة الكريمة لأبنائها، وتحولها إلى أداة لتحقيق مصالح الفئات الحاكمة. لكنها تعود كذلك إلى جهود الغربية برعاية أميركية تسعى إلى تشكيل شرق أوسط جديد على قياس الدولة الصهيونية. فالغزو الأميركي للعراق كان يهدف بالدرجة الأولى إلى إعادة ترتيب الأوراق في المنطقة العربية والقضاء على بؤر الممانعة لتحقيق تطبيع كامل مع إسرائيل، وإزالة كل الحواجز التي تحد من نفوذها السياسي والاقتصادي في الشرق الأوسط. التحليل الذي قدمته مجموعة العمل التي ترأسها ريتشارد بيرل لوزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد في مطلع عام 2002، والذي تم تسريب مقتطفات منه إلى الصحافة، ركز على أن تغيير النظام العراقي واستبداله بنظام مؤيد للسياسية الأميركية سيزيد من نفوذ الولايات المتحدة في منطقة المشرق العربي برمتها و"ستظهر آثاره في عواصم عربية بدءا بالقاهرة." وبإيحاء من قيادات المعارضة العراقية المتعاونة مع الإدارة الأميركية، وفي مقدمتها أحمد جلبي، شدد دعاة الغزو الأميركي على أن السيطرة على العراق وتحويلة إلى نموذج لشرق أوسط جديد ستكون مهمة سهلة.

بيد أن الأحداث أظهرت أن المغامرة الأميركية في العراق أدخلت الولايات المتحدة في متاهات طويلة، وارغمتها على حشد قوات كبيرة وانفاق أموال طائلة فاقت كل التوقعات. بل إن الاحتلال الأميركي للعراق أدى إلى بروز واقع جديد يكاد يناقض الواقع التي سعت الإدارة الأميركية لتحقيقه في الشرق الأوسط. فقد أدت الجهود الأميركية إلى بروز القوى الإسلامية الشيعية المناوئة لحزب البعث ذي التوجهات العروبية والمتعاطفة مع إيران. كما زادت الحرب العراقية من نفوذ إيران في المنطقة العربية بعد أن أنهكت الولايات الأميركية عسكريا وماليا، وجعلت إمكانية دخولها في مواجهة عسكرية مع إيران أمرا مستبعدا. كما أدى عجز الولايات المتحدة عن القضاء على حزب الله إلى تفاقم أزمتها السياسية والعسكرية، وإلى إرباك حلفائها الشرق أوسطيين.

من الواضح اليوم بعد مرور ثمان سنوات على الغزو الأميركي للعراق، وأربعٍ على حرب تموز أن الجهود الأميركية لإعادة ترتيب المنطقة وفق المصالح الأميركية والإسرائيلية تخضع لمبدأ "التداعيات غير المحسوبة" وهو مبدأ يستخدمه المؤرخون عادة للإشارة إلى تحقيق نتائج معاكسة للنتائج التي خططت لها القوة السياسية الفاعلة. ولعل إحدى أهم التداعيات غير المحسوبة لجهود إدارة بوش والمحافظين الجدد لإخضاع منطقة الشرق الأوسط للهيمنة الأميركية-الإسرائيلية تراجع القدرة الغربية لأول مرة منذ قرنين عن التأثير في التحولات الداخلية والتوجهات المستقبلية لدول المنطقة. بيد أن الصورة لا زالت متداخلة والحركة باتجاه المستقبل متأرجحة. فالتطورات التي تشهدها تركيا على المستوى السياسي والاقتصادي، وإيران على المستوى التقني والعسكري، والخليج على مستوى المجتمع المدني، تتساوق مع تفاقم الفساد الإدارة وتراجع المؤسسات العامة وتزايد دور المؤسسات الأمنية في معظم الدول العربية مع استمرار غياب المؤسسات الأهلية عن التأثير. لذلك سأكتفي بتحديد بعض جوانب التحولات التي تشهدها المنطقة العربية اليوم ورسم معالم التحولات المتوقعة في السنوات القادمة.

الدولة القطرية بين الدعوات الدينية والقومية

هيمن الفكر القومي والمخيال العروبي على حركة المجتمعات العربية طوال القرن الماضي. وشدد دعاة القومية على أن الوحدة العربية هي البديل المعاصرللوحدة الإسلامية التي ربطت شعوب المنطقة منذ بروز الخلافة وحتى إنهيارها الكامل في مطلع القرن الماضي. وشكل الفكر القومي العروبي قاعدة الشرعية السياسية الجديدة حيث تبنت النخب السياسية والاجتماعية العربية مفهوم الوحدة القومية بديلا عن الرابطة الإسلامية التي مكنت الدول المتتالية عبر تاريخ المسلمين من بسط نفوذها على المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة بغض النظر عن الأصول القومية لتلك المجتمعات. فهيمنت الدولة العثمانية على مناطق تقطنها قوميات عربية وكردية وتركية، في حين سيطرت الدولة الصفوية على مناطق تقطنها قوميات متعددة.

برزت الحركة القومية العروبية نتيجة لعوامل داخلية وخارجية. لعل أهم العوامل الخارجية تأثر النخب الثقافية بالفكر القومي الأوروبي والتجربة القومية الأوروبية. فقد استطاعت الحركات القومية في إيطاليا وألمانيا توحيد الشعبين الإيطالي والألماني وتمكنتا من إقامة دولتين حديثتين. النجاح الباهر للحركات القومية الأوربية داعب مخيال النخب المثقفة العربية الراغبة في تأكيد هويتها في مواجهة الدولة العثمانية التي ازداد ارتباطها بالهوية القومية التركية في مراحلها الأخيرة. العامل الداخلي الأهم لبروز التيار العروبي تحدد ببروز الحركة الطورانية التي سعت جاهدة إلى تتريك الدولة العثمانية بدءا من منتصف القرن الثامن عشر الميلادي. وبالتالي قدمت الحركة القومية العربية نفسها على أنها حركة تحرر قومي تناضل من أجل حماية الهوية العربية في مواجهة المد الطوراني التركي.

استطاعت الحركة القومية العروبية من تعبئة الشعوب العربية لتحقيق استقلالها السياسي عن الدولة العثمانية أولا، ثم نجحت في تجنيدها لمقارعة الاستعمار الأوروبي لاحقا. بيد أن الحركة القومية فشلت فشلا ذريعا في تحقيق الوحدة السياسية للأقطار العربية المتعددة. أسباب العجز كثيرة، منها عدم التجانس السياسي والاقتصادي والبنيوي للمجتمعات العربية. ومنها ارتباط مشاريع الوحدة بالقرار الشخصي لرؤساء وملوك الأقطار العربية، والمخاوف من أن تؤدي الوحدة إلى إستئثار أحدهم بالسلطة على حساب الآخرين. ومنها ارتباط الدول العربية بأحلاف سياسية ومعاهدات ثقافية واقتصادية مع دول كبرى متنافسة، بالتالي تحول الصراعات الدولية بين الدول الكبرى إلى صراعات إقليمية بين الدول العربية المتحالفة معها. بيد أن السبب الرئيسي يكمن في غياب المؤسسات المدنية الفاعلة في الدول العربية، وبالتالي عجز المجتمعات العربية عن تطوير الشروط الموضوعية لقيام وحدة حقيقية. وعلى الرغم من تطلعات الشعوب وآمال النخب المثقفة في الوحدة، بقيت الآمال منحصرا في الخطاب السياسي التعبوي الحالم، وفي لقاءات القمم العربية التي هي أقرب إلى اللقاءات الاجتماعية والمناظرة الكلامية منها إلى العمل السياسي المؤسسي.

أدى عجز الحركة القومية عن تحقيق الدولة الموحدة المتطورة سياسيا واقتصاديا، ووقوعها في سلسلة من الهزائم والاخفاقات، وتحول خطابها السياسي والاجتماعي إلى خطاب حالم بعيد عن واقع الأمة إلى تراجع التأييد الشعبي لها، وإلى بروز الحركات الإسلامية التي حملت شعار "الإسلام هو الحل." استطاعت الحركات الإسلامية من اكتساب تأييد شعبي واسع خاصة بين الشباب المتعطش إلى استعاد الأمجاد التليدة المرتبطة تاريخيا بالمد الإسلامي الحضاري، وبروح الجهاد والتضحية الفردية في سبيل تحقيق أهداف إنسانية وحضارية. روح الجهاد والتضحية، والالتزام الأخلاقي لأبناء الحركة، جعلتها محط أمل الأجيال الشابة وحولتها إلى بديل سياسي للحركة القومية. بيد أن الحركات الإسلامية العربية تعاني، رغم امتلاكها صدقية اخلاقية، من غباشة في الرؤية السياسية وجمود في الحراك السياسي. فالأطروحات السياسية لتلك الحركات تدور حول مفهوم الدولة الدينية التي يتماها فيها القرار السياسي والالتزام الديني، وتتحكم فيها القيادة الدينية بالسلطة السياسية. وعلى الرغم من تبني بعض الحركات الإسلامية لخطاب ديمقراطي سياسي تعددي، فإن خطابها الديمقراطي لا يتناغم مع أدبياتها الفكرية التي تعود بصورة أساسية إلى كتابات حسن البنا وأبو الأعلى المودودي وسيد قطب (حركات الأخوان المسلمين في مصر وسوريا والعراق والأردن) وتقي الدين النبهاني (حزب التحرير) التي ظهرت في النصف الأول من القرن الماضي.

أظهرت سلسلة التجارب التي خاضتها الحركات الإسلامية في العالم العربي عجز تلك الحركات عن التحول من مجموعات دينية ملتزمة برؤية دينية محددة للعالم إلى تيار سياسي قادر على استيعاب التعدد الديني والسياسي لأفراد المجتمع، وعلى تقديم تصور لدولة حديثة يتساوى فيها الجميع وتحترم الخصوصيات الدينية والعقدية لأبنائها. فنجد مثلا أن حركة الإخوان المسلمين لا زالت تردد الرؤى التنظيمية التي قدمها حسن البنا في النصف الأول من القرن الماضي. ولم تتمكن الحركة حتى الآن من تطوير بناء سياسي يسمح لها بتجاوز النزعة المركزية التي تكرس استئثار النخبة المؤسسة بالقرار. في حين يستمر حزب التحرير بتبني أطروحات مؤسسه دون تغيير يذكر في منطلقات الحزب وطرائق عمله. وفي الجزائر تستمر الحركة في التشرزم بعد أن عجزت عن تطوير استراتجية للعمل السياسي للتصدي لهيمنة المؤسسة العسكرية على مقدرات الدولة، وتركت المبادرة للجماعات المسلحة التي جعلت العنف والقتل والتدمير الوسيلة الوحيدة لمواجهة الاستبداد.

النماذج الناجعة التي قدمتها الحركات الإسلامية تمثلت في مقاومة التوسع الصهيوني وتقديم نماذج مشرفة في التضحية والصبر والثبات في مواجهة العربدة الصهيونية، وتوظيف قدراتها البشرية والمالية في خدمة المشروع الوطني. ففي فلسطين استطاعت حماس من اكتساب التأييد الشعبي والوصول إلى موقع القرار الوطني الفلسطيني نتيجة رفضها أن تكون إداة للتوسع الصهيوني في غزة والضفة، لكنها لم تظهر رغبة مماثلة في التضحية والصبر دفاعا عن مبدأ التعددية السياسية عندما قررت تصفية خصومها السياسيين بالاحتكام إلى السلاح. كذلك أدى تماهي المقاومة اللبنانية التي يقودها حزب الله والطائفة الشيعية إلى عجزها عن التحول إلى تيار سياسي يستوعب التعددية الدينية والطائفة، رغم الانتصارات المشرفة التي حققتها في مقارعة العدوان الإسرائيلي.

الظهور الشيعي والدولة الدينية

حالة الاحباط والركود السياسي والاجتماعي والثقافي التي تحيق بالمنطقة العربية ترتبط مباشرة بغيات الرؤية المستقبلية التي تعيد للعربي ثقته بقدراته وتحثه على السعي إلى تحقيق مستقبل واعد. حالة الإحباط والركود مرتبطة بفشل التيار القومي وعجز التيار الإسلامي عن تقديم بديل واضح من جهة، واستئثار النخب العسكرية والتجارية بمقدرات الدولة القطرية وتحويلها إلى بقرة حلوب تسقي النخب الحاكمة بسخاء في حين تحرم الشعوب من فرص التطوير والتقدم وتحقيق الذات. ويكاد الحراك السياسي الحالم بمستقبل مشرق في العالم العربي ينحصر في الحركات السياسية الشيعية في العراق ولبنان ودول الخليج.

ظهر التيار الشيعي إلى العيان في العقدين الأخيرين بعد عقود طويلة من الفقر والحرمان عانتها الإقليات الشيعية في المنطقة العربية نتيجة الفساد الإداري والتحامل الديني. الأحزاب الشيعية في العراق تمكنت خلال السنوات الستة الأخيرة منذ الغزو الأميركي من الإمساك بمقاليد الأمور والتحكم بالمؤسسات الأمنية. كذلك تمكنت الطائفة الشيعية في لبنان من بناء مؤسسات ثقافية واقتصادية وسياسية حديثة، وتحولت منذ انتصارها على الجيش الذي اعتقد الحكام العرب أنه لا يقهر في عام 2000 ثم في عام 2006 إلى نموذجا يحتذى وجعلها محط آمال شباب أنهكته الهزائم العربية المتتالية أمام المد الصهيوني.

الظهور الشيعي في البلاد العربية مرتبط بطبيعة الحال بالجمهورية الإسلامية الإيرانية التي استطاعت خلال العقود الثلاثة منذ قيامها في مطلع الثمانينيات من تحقيق نهضة علمية واجتماعية، حولتها إلى قوة عسكرية ضاربة وإلى دولة إقليمية مؤثرة في منطقة الشرق الأوسط. وشهدت السنوات الست الماضية صعودا كبيرا في النفوذ الإيراني بعد انتصار حلفائها في العراق ولبنان، وعجز الولايات المتحدة وإسرائيل عن تدمير التحالف الإيراني السوري اللبناني المناوئ لطموحاتهما في المنطقة.

لا شك أن نجاح الحركة الشيعية في التصدي للطموحات الغربية الخارجية والانتصار للطموحات الوطنية المحلية يرتبط مباشرة بالبنية الدينية للطائفة الشيعية المتمثل بالحوزة (المدرسة الشرعية). فقد تمكنت الحوزة الشيعية من تحقيق ما عجزت عنه المراكز العلمية السنية وذلك بحفاظها على استقلالها المالي وانفتاحها العلمي على الدراسات الفلسفية والاجتماعية. فبقيت موضوعات الفلسفة والاقتصاد والسياسة وعلم النفس وعلم الاجتماع تدرس في الحوزة الشيعية إلى يومنا هذا في حين ازداد تركيز المعاهد والكليات الشرعية السنية على الدراسات الفقهية والشرعية التاريخية بعيدا عن الوصول إلى فقه عميق للمجتمع المعاصر ومؤسساته وحراكه. وهذا ما أعطى القيادة الدينية الشيعية قدرة متميزة على فهم المجتمع المعاصر والتعامل معه بمعرفة ودراية بعيدا عن الخطاب العاطفي الذي يغلب على علماء السنة، والذي غالبا ما يعتمد ثنائية الرفض أوالقبول. الاستقلال المالي الذي فقده علماء السنة بعد إقامة وزارات الأوقاف في الدول العربية للهيمنة على المؤسسة الدينية مكن علماء الشيعة من الاعتماد على الذات والاستقلال في القرار، وأبقاهم على صلة بقواعدهم الاجتماعية مصدر ثروتهم المالية.

بيد أن محدوية تأثير التيار الشيعي خارج طائفته مرتبطة مباشرة بالطبيعة الدينية للعمل السياسي الشيعي. فقد حوّل التيار الشيعي الجمهورية الإسلامية في إيران إلى دولة شيعية يستشعر فيها السني أنه مواطن من الدرجة الثانية. كذلك تحول اليوم الخصوصية الشيعية لحركة المقاومة اللبنانية دون تحولها إلى حركة شعبية توحد اللبنانيين عموما حول خطاب سياسي واستراتيجية تنموية وطنية.

التحول الديمقراطي وتحديات الواقع العربي

النموذج الذي حرك المخيال الديني والسياسي للطائفة الشيعة في البلاد العربية لم يأتي من فضائها العروبي بل جاء من فضاء انتمائها الحضاري الإسلامي عبر النموذج الإيراني. وعلى الرغم من تاثر بعض الشباب السني بالنموذج الشيعي الإيراني فإني أعتقد أن النموذج يتضارب بقوة مع الوعي الديني والتاريخي للإغلبية السنية، وبالتالي فإني لا أرى إمكانية تحوله إلى محفز أخلاقي أو حراكي للشعوب العربية. القدرة التحفيزية للنموذج الشيعي عند الأغلبية المسلمة تنحصر في البعد التنافسي، أي في بروز نموذج منافس يمكن أن يدفع الدوائر السنية إلى الحراك. ومن المؤسف أن الاستجابات السنية للمنافسة الشيعية تكاد تنحصر في الجانب السلبي، أي جانب التنديد والتخويف والرفض، كما حصل مؤخرا في الموقف الذي وقفه يوسف القرضاوي مما أسماه بالغزو الشيعي للمناطق السنية وتابعته فيه مؤخرا جبهة علماء الأزهر.

لا أود هنا الخوض في مسألة انتشار المذهب الشيعي بين السنة بتفاصيلها، بل أكتفي بالإشارة إلى طبيعة رد علماء السنة الذي يؤكد ما ذكرته عن غياب الرؤية السياسية والحضارية العميقة لدى كثير من قيادات الحركة الإسلامية العربية ورموزها. لقد سبقت تصريحات القرضاوي حملة قادتها حركة الإخوان السورية في المنفى تحدثت فيها عن حركة تشييع في سوريا دون تقديم أي أرقام أو حقائق لدعم تأكيداتها، مكتفية بالاشارة إلى الجهود الإيرانية لتأهيل المقامات الشيعية في سوريا كمسجدي السيدة زينب والسيدة رقية. ولنفترض على سبيل النقاش أن الانتشار قائم فعلا، فإن الرد المبدع والخلاق يتطلب من علماء السنة دراسة أسباب هذا الأنتشار وإدخال إصلاحات في مناهج التعليم وفي طرائق العمل تعيد للمؤسسة الدينية السنية حيويتها التي افتقدتها منذ قرون.

النموذج الإصلاحي البديل للنموذج الشيعي الإيراني يأتي مرة أخرى من خارج المنطقة العربية، وبالتحديد من تركيا. النموذج التركي يمثله حزب العدالة والتنمية الحاكم ذي الأصول الإسلامية. يسعى حزب العدالة إلى إعادة الجمهورية التركية إلى سياقها الثقافي والحضاري التاريخي، وتمثل أطروحاته الحالية مرحلة متطورة من ارتقاء الحركة الإسلامية في تركيا. يرفض الحزب ربط الدولة ذات المرجعية الإسلامية بالدولة الدينية، ويدعو إلى تبني المبدأ الديمقراطي والتعددية السياسية. سعى الحزب منذ تسلمه السلطة إلى محاربة الفساد الإداري وتخفيف حدة الإضطهاد الديني ضد الملتزمين دينيا من أبناء الأغلبية المسلمة، كما عمل على زيادة دائرة الحريات السياسية للاقليات القومية وفي مقدمتها الأقليلة الكردية.

يشكل حزب العدالة والتنمية التركي مرحلة متقدمة من مراحل تطور العمل السياسي ضمن التيار الإسلامي، والذي التزم بمبدأ سلمية العمل السياسي منذ البداية، وبقي محافظا على هذا المبدأ رغم استبداد التيار القومي التركي والمؤسسة العسكرية المتحالفة معه بالقرار السياسي، واللجوء إلى الانقلاب مرارت عديدة للحيلولة دون تسلمه لزمام السلطة. ولقد دفع نهج الحزب المتوازن والمعتدل الأغلبية التركية—-سواء منها المتفاعل من الرؤية الإسلامية أو الرافض لها—إلى تقديم الدعم له نظرا لنجاحه في تطوير الاقتصاد واحترام الحريات. نجاح حزب العدالة مرتبط بطبيعة الحال بوجود مجتمع مدني متطور في تركيا، وهو ماتفتقده معظم الدول العربية اليوم.

الإرهاصات الأولى للمشهد العربي الجديد

تسعى الشعوب العربية إلى التخلص من جمود سياسي نتيجة هيمنة الدولة الأمنية على المجتمع المدني منذ مطلع الستينيات من القرن الماضي. رياح التغيير السياسي والاقتصادي التي عصفت خلال العقود الأربعة الماضية بالنظام الإيراني والاتحاد السوفياتي وأوربا الشرقية وشرق وجنوب شرق أسيا وجنوب أميركا وجنوب إفريقيا، ولفحت تركيا في بدايات العقد الماضي، وصلت أخيرا إلى قلب العالم العربي في مصر وتونس بعد عقود من السبات الرسمي والمؤسسي. عجزت الأنظمة العربية خلال العقود الماضية من إدخال إصلاحات سياسية تذكر. فلم تتغير، على سبيل المثال، البنية الطائفية للدولة اللبنانية، كما لم يتغير نظام الحزب الواحد واختيار رئيس الدولة عبر أسلوب البيعة التاريخي في مصر وسوريا وليبيا. ولا يزال وزير الخارجية السعودي في منصبه منذ عقود ثلاثة، في حين رُفّف اقتراح إقامة مجلس شورى منتخب في المملكة. التغير الكبير الذي طرأ على الساحة العربية هو التغير الهائل في البنية الاجتماعية والسياسية في العراق، وهو تغيير جرى نتيجة تدخل عسكري خارجي لا من خلال الحراك الاجتماعي والسياسي الداخلي.

السكون السياسي الذي حكم على البنية السياسية العربية وهيمن على الثقافة الحاكمة في المجتمعات العربية يخفي وراءه تغيرات عميقة في بنية المجتمع العربي وفي الخبرة الجماهرية. فقد أدت سياسات الانفتاح الاقتصادي في مصر وسوريا ولبنان والجزائر والمغرب إلى اتساع الفجوة الاقتصادية بين الأغلبية السكانية التي يستمر انخفاض متوسط دخل أبنائها باطراد منذ عقدين والأقلية الحاكمة التي يستأثر أبناؤها بثروات البلاد ويتزايد فيها عمق الفساد الإداري باستمرار. كما أدت البعثات التعليمية والتحول السكاني نحو المدن إلى تغير البنية الاجتماعية لدول الخليج. حدوث تغيرات كبيرة في العميق الاجتماعي للمجتمع العربي دون حصول تغيرات مناسبة لها على السطح السياسي يجعل حيثيات المنطقة العربية الراهنة مماثلة للحيثيات الطبقية (الجيولوجية) لمناطق الانكسارات الأرضية قبيل حدوث الزلازل.

مؤشرات التغيرات المزلزلة القادمة والمتعلقة بالتغيرات البنوية الداخلية في المجتعات العربية تصبح أكثر وضوحا عند النظر إلى التغيرات الإقليمية والدولية المرافقة. إنهيار سوق الأموال الأميركي الذي لا زال العالم يعاني من تداعياته الاقتصادية هو في حقيقته إنذارا مبكرا لتحولات اقتصادية عميقة في الاقتصاد العالمي سيكون لها تأثيرات كبيرة على توازنات القوى العالمية، وعلى قدرة الولايات المتحدة وأوربا على استخدام تفوقها الاقتصادي والسياسي للتأثير في المنظومة القطرية العربية. ويأتي هذا التراجع في الوقت الذي يتزايد فيه النفوذ الإيراني الشيعي في المنطقة العربية وبروز المسألة الكردية إلى سطح الأحداث وتزايد قدرة الشعب الكردي على تأكيد هويته القومية المتميزة بعد عقود من القمع والتهميش.

دولة المؤسسات وحكم القانون

التطورات الحالية في العالم العربي والمتمثلة بإصرار النخب الحاكمة—المتكونة من تآلف المؤسستين الأمنية والديوانية (البيروقراطية) من جه وكبار التجار وأصحاب الأموال من جهة أخرى—على الاحتفاظ بامتيازاتها السياسية والاقتصادية على حساب الغالبية المحرومة ترسم صورة قاتمة استعرضنا طرفا منها آنفا. وبطبيعة الحال فإن الصورة السابقة لا تخضع لأي حتمية تاريخية، بل يمكن أن يتجه المجتمع العربي بالاتجاه المعاكس في حركة نحو إصلاح مؤسسات الدولة وتحقيق مشاركة سياسية تضع نهاية لاحتكار السلطة والثروة. المشهد الإصلاحي يتوقف على إدراك النخب الحاكمة العربية أهمية انفتاحها على القوى المعارضة وتبنيها لمبدأ المشاركة السياسية، كما تتعلق بالتزام قوى المعارضة بمبدأ التبادل السلمي للسلطة. كذلك تتوقف قدرة المعارضة السياسية على تحقيق نظام سياسي تشاركي وتعددي على انكبابها لتطوير مؤسسات المجمع المدني بدلا من تركيز جهودها على المؤسسة السياسية. ولعل تراجع قدرات الدولة القطرية العربية وعجزها عن تقديم الخدمات التعليمية والصناعية والصحية يدفع بها إلى تخفيف سيطرتها على المجتمع المدني والسماح لهذا المجتمع بتطوير مؤسساته الأهلية.

وأي كان الأمر فإن منطقة الشرق الأوسط بدأت عمليا بالدخول في مرحلة المخاض التي أشارت إليها الوزيرة الأميركية، وهي مرحلة مؤلمة قد يطول فيها الألم إذا ما ساد المشهد الزلزلي أو يقصر حال حصول المشهد الإصلاحي، ولكنها مرحلة مؤلمة على كل حال. الوصول إلى المشهد الأصلاحي تتطلب نقلة فكرية بعيدا عن نموذجي الدولة القومية والدولة الدينية بالاتجاه دولة القانون والمؤسسات يتم خلالها تجاوز الخلافات القومية والطائفية والدينية بين أبناء المجتمع، ويخضع فيها الجميع لحكم قانون عادل يكافئ المساهمات البناءة ويضرب بقبضة من حديد على بؤر الاستغلال والفساد. وعلى الرغم من الحالة الضبابية التي تواجهنا عند استعراض المشاهد المستقبلية فإن ثمة حقيقة تزداد وضوحا كل يوم، وهي أن مستقبل الشرق الأوسط يتحرك باتجاه مغاير تماما للاتجاه الذي سعت إليه الولايات المتحدة خلال السنوات السبع الماضية، وأن تحقيق المشهد الإصلاحي مسؤولية مشتركة بين جميع المواطنين على اختلاف مواقعهم ومشاربهم.

د. لؤي صافي

استاذ جامعي، ومؤلف لعديد من الدرسات في قضايا السياسة والتنمية، وناشط في الدفاع عن حقوق الجالية العربية والإسلامية في أميركا. يمكن قراءة تعليقاته على مدونته

http://safireflections.wordpress.com/wp-admin/