التدريب هو الباب الملكي لـ "اكتشاف الممثل"
يتتبع د. مدحت الكاشف أستاذ التمثيل والإخراج ووكيل المعهد العالي للفنون المسرحية ورئيس قسم التمثيل والإخراج، في كتابه "اكتشاف الممثل" تاريخ فن التمثيل منذ الإغريق والرومان ومرورا بالعصور الوسطى وعصر النهضة وتطور أسسه ومفاهيمه وتقنياته، ثم بدء ظهور النظريات انطلاقا من القرن الثامن عشر، حتى يدخل العصر الحديث، وهو خلال هذه الرحلة الطويلة لا يكف عن طرح التساؤلات وتحليل مضامين جوهر التمثيل واكتشاف وتدريب الممثل واكتسابه المهارات القادرة على اكتشافه لذاته، لذا فإن هذا الكتاب يشكل أمرا مهما للممثل، ومن جانب آخر يمكن للقارئ المثقف والقارئ المتخصص الاستفادة منه حيث يضيء الكثير من جوانب هذا الفن.
الجميل أن الكتاب جاء كما أوضح الكاشف في تقدمته مرتكزا على تجاربه في تدريس التمثيل بالمعهد العالي للفنون المسرحية، وتدريب الممثلين الهواة في ورش واستوديوهات متعددة، وكذلك الدورات المتخصصة في تدريب المثل. وقال إن ما دعاه لإنجازه "وجدت شغفا من قبل المتدربين ـ على اختلاف خبراتهم التمثيلية ـ لممارسة التدريبات بمنتهى الطاقة والحيوية والتلقائية، مما يعني أن التدريب ـ في حد ذاته ـ يمثل متعة للممثل، لا تقل عن متعة الأداء أمام المتفرجين، كما يشكل من جانب آخر متعة "الاكتشاف" للمدرب والممثل على حد سواء.
وأكد الكاشف أن أي تدريب للممثل لا يسعى نحو إكساب مهارات معينة ولا يتطلب من الممثل أن يدخر مجموعة من الحيل التي قد يحتاج إليها في "جراب" خاص يحمله على كتفه، واستخراج منه ما يعينه على أداء شخصية ما، ليس الأمر كذلك على الاطلاق، بل إن التدريب هو الباب الملكي نحو الاكتشاف "اكتشاف الممثل" لما هو بداخله من مهارات وإمكانيات، بيد أنه كان يجهلها، أو ربما لم يعرف كيف يمسك بتلابيبها، أو أنه لم يختبرها من قبل، الأمر الذي يجعل من التدريب فرصة سانحة لتنظيم أفكار وتأملات الممثل حول كنه التمثيل ومتطلباته.
إننا ننظر إلى الممثل بوصفه لا يقلد ولا يتبع ولا يقتدي بممثلين سابقين بقدر ما هو يبدع ويبتكر تفاصيل الشخصية أو الشخصيات التي يمثلها
فالتدريب هو بمثابة رحلة للكشف عن عوائق الممثل وما يعترض تداعيات الأداء عنده، لينطلق إلى اكتشاف طاقات لا نهائية للتعبير، ومن منظور تلك الرؤية فإن كافة الوسائل والمناهج والنظريات المتعلقة بتدريب الممثل، والتي تستند إلى تجارب سابقة حاولت ـ وما زالت تحاول ـ البحث عن كنه ذلك الفن، فن الممثل، وكل منها قد أدلت بدلوها في ذلك البحر الخضم متلاطم الأمواج الذي يكتنفه الغموض، حول سبب أثر سحره في الآخرين من المتفرجين، بل إنهم غاصوا في أعمال بحوره باحثين عن اللآلئ التي تجعل من أداء الممثل أكثر سحرا وتأثيرا.
وأضاف "على الرغم من ذلك فلم يوجد حتى الآن المنهج الكامل والمتكامل والنهائي، الذي يقدم للممثل وصفة يمكن التمشي بموجبها في التمثيل، ولا غرو إن رجل المسرح الروسي "قنستنطين ستانسلافسكي" صاحب المنهج المتكامل نفسه، وهو رائد مؤسس لفكرة ولأهمية تدريب الممثل وفق عدد من العناصر المحددة، وقد انتهى إلى نتيجة مؤداها أنه لا يوجد منهج لتعليم الممثل. وطالب على طريقة العلماء المصلحين من كل ممثل أن يصنع منهجه، حين قال مخاطبا الممثل: اصنع منهجك!
ولم يكن يدعي بذلك نوعا من التواضع أو التقليل من شأن النتائج المبهرة التي وصل إليها في وضع أسس فن التمثيل. بل كان يبغي تلخيص رؤيته لهذا الفن بعد رحلة تأملية طويلة، ظل يبحث فيها عن مسرح تسكنه الحياة، بشكل دفعه إلى محاولات "اكتشاف" ما هو جوهري بالنسبة إلى الممثل، عبر ابتكاره لمجموعة من العمليات النفسية والتقنية، التي يناط بها جعل الممثل كائنا حيا على خشبة المسرح.
وأوضح الكاشف أن معنى كلمة "اكتشاف الممثل" التي تأخذ نصف حيز عنوان الكتاب هو إيجاد ما كان مخفيا، أو اكتشاف كنز أو كشف أمر مجهول، كما تعني اكتشاف الذات أو التعلم بالاكتشاف، ففي مجال الفن والتمثيل يشاع استخدام كلمة "اكتشاف" بمعنى "تصعيد" أو صناعة ممثل بعينه ليصير نجما بالترويج له بكافة الطرق والوسائل الإعلانية والإعلامية والدعائية. أما ما نقصده هنا من كلمة "اكتشاف" هو ردها إلى أصلها اللغوي وبيان مرادفاتها التي ربما تكون الأقرب للتعبير الذي نقصده في الكتاب مثل: ابتداع أو ابتكار أو اختراع أو استنبات أو استحداث أو استنباط أو إنشاء أو تكوين أو خلق أو ذرء، وما إلى ذلك من مترادفات، وهو ما يقودنا إلى النظر لفن الممثل بوصفه إبداعا وابتكارا يتم استنباطه من خلال "اكتشاف الممثل" وشغله على نفسه ليقدم لنا نسخة جديدة غير مسبوقة، وبالتالي تتضاد لفظة "اكتشاف" ـ في مقصدنا ـ مع ألفاظ أخرى مثل: اتباع، احتذاء، اقتداء بـ امتثال، إمثال، تقليد، تأس، حذو، مماثلة.. ويعني هذا أننا ننظر إلى الممثل بوصفه لا يقلد ولا يتبع ولا يقتدي بممثلين سابقين بقدر ما هو يبدع ويبتكر تفاصيل الشخصية أو الشخصيات التي يمثلها. إذن فنحن نسعى إلى ممثل يسعى لاكتشاف نفسه باتخاذ كافة الإجراءات الممكنة أو المتاحة لذلك.