التشكيلي لقمان أحمد التأثير في إيقاع الحالة وتصاعدها

أحمد: الفنان كالفلتر يأخذ من الواقع الأشياء الحقيقية مهما كانت فظاعتها، ويبدأ بإعادة إنتاجها فنياً، ويقدمها بشكل مختلف مكثف وعميق.. وأنا جزء من الواقع، أدوّن كل شيء، ومن ثم أقوم بصياغته بشكل آخر يوازي دلالة الموضوع ورمزيته.

"الفنان كالفلتر يأخذ من الواقع الأشياء الحقيقية مهما كانت فظاعتها، ويبدأ بإعادة إنتاجها فنياً، ويقدمها بشكل مختلف مكثف وعميق.. وأنا جزء من الواقع، أدوّن كل شيء، ومن ثم أقوم بصياغته بشكل آخر يوازي دلالة الموضوع ورمزيته"هذا ما يقوله الفنان التشكيلي لقمان أحمد في أحد لقاءاته والذي قد يلخص رؤيته تماماً.

وقد تكون إجابة لتساؤلات عديدة كانت تدور في مخيلتنا ونحن نهم بقراءة أعماله، فلقمان غارق في محليته غرقاً حمزاتوفياً، فهو يتنفس بها بل هي المسند الذي ينطلق عليه في بحثه الفني، وموضوعاته جلّها تلاحقه في مجمل أعماله سواء أكانت الملاحقة قائمة من شماله المفجوع أو من كرديته المنكوبة منذ الخليقة والمغتالة من أكثر من بعد بل حتى من أبناء جلدته، فهذا الوجع وأقصد وجع الإنسان الكردي تكاد تشكل المحور الأهم لأعماله، فلقمان يقترب من الثقافة الشفوية للكرد وعلى نحو أخص ملاحمهم المغناة بحناجر فنانين كبار باتوا مدرسة في ذلك كرفعت داري مثلاً، يجسد قصصهم لقمان بألوانه الفاتحة الهادئة حيناً والداكنة الحزينة في أحيان أخرى حسب مقتضى الحال للقصة المروية باللون فإكتشاف أسرار تلك العوالم بصياغات جديدة وإرتحال جديد هو بحد ذاته تجسيد جديد من الحضور دون أي إنطواء للحلم فهو يؤكد وفي أكثر من سياق ودون الذهاب إلى حقول بعيدة بأن الدعوة لإنشاد سيمفونيات لونية لسيامند وخجه، مم وزين، ....... إلخ ليست لإعتبارات موضوعية ولا لخلق حوار درامي جمالي فحسب بل لإنتاج صيغ تعبيرية جديدة تلتقط المنافذ الأهم لمقاماته الحافلة بالتأويل والتي بها يُلزم حقوله الإدراكية للعثور على مجموعة عناصر تحمل مواصفات إرسالية هي التي ستجره بدورها إلى الجذور الشعبية لتلك الأشياء التي لها كل مواصفات التحول إلى كيانات رمزية تتجاوز دلالاتها الإحالات التاريخية وإن بعناصر تكوينية جديدة.

ومن زاوية أخرى تحس أن أعمال لقمان تكاد تلخص جزءاً جميلاً من التراث الكردي وكأنه يردد مع سقراط مقولته الشهيرة "إذا أردت أن تعرف شعباً عليك بمعرفة تراثه وفولكلوره" وكأن لقمان حمل على كاهله تعريف الآخر بالكرد من خلال تقديم مآثرهم وفولكلورهم وحكاياتهم فتكاد تحس بأنها سجادات معلقة في بيوت الجميع كتلك البرادي المطرزة بأصابع بناتهن والتي تغطي نوافذهن.

 لقمان يغوص في التراث بتصوير جديد، لا كترجمة ذلك إلى أعمال بصرية فحسب أو تحويل السمعي أو الشفاهي إلى بصري/مشهدي وإنما كمحاولات تجريبية ضمن مناخ خاص ومختلف قد لا تتشابه مع الواقع مطلقاً وإن كانت مستوحاة منها ولكن بفك مشاعر وأفكار وأحداث، بفك لرؤيته الجمالية وإقامة حوارات مثمرة فيمابينهم وإسقاطها على اللوحة، وبذلك قد يستغل لقمان الحدث كأحد أهم العلاقات على حضور الإنسان أولاً وفي إطار كبير من إصرار غير معين على خلق ما هو جديد بمفردات جديدة وبتقنيات جديدة قد تكون خارج السائد، ولهذا يبذل لقمان الكثير من الجهد حين يُغرق ألوانه في الزمن المستباح وبتدرجاته التي تربط ملاحمه اللونية بملاحم الآباء بالإعتماد على مجموعة من الخيارات الواعية ليست الأخيرة منها إطلاق العنان لقلقه مع كسر قيود مضامينه بحثاً عن عوالم جديدة وأشكال جديدة، وبوسعنا أن نتصور جملة الحساسيات الفنية التي يرسلها لقمان بين أثير أعماله للتأثير في إيقاع الحالة وتصاعدها وتوترها لتكون ملائمة لإبداع خصب وعذب يتجاوز الواقع بل ويتفوق عليه في عدم إغلاق لغة أفقه وإن كانت تأخذ أبعاداً مغايرة لإعادة إكتشاف عتبات مرحلة باتت من الذاكرة الكردية مع اللجوء إلى البحث عن طرق إمكانات إستمراريتها.