التطرف الديني... التماثل مع عسكرة العالم

الإسلام السياسي غطاء

لماذا يعود التطرف الديني الإقصائي هذه المرة، أو ما كنا نسميه لفترة بـ«القطبية» في شكل ميل لتدمير العالم، وليس حتى بدعوى إصلاحه؟ لقد كان أقصى ما عند «القطبية» ومن قبلها الدعاوى المهدوية – هو «العزلة» أو«تقسيم العالم» أو اتهام الآخر بـ«الجاهلية» أو حتى بـ«الكفر»، بهدف التمركز حول الذات أو بالأستاذية. لكن ما تقدمه «بوكو حرام» في غرب أفريقيا أو «حركة الشباب» في شرق أفريقيا، أو «خلافة الدولة الاسلامية» في المشرق العربي أو المغارب يعتبر شيئاً آخر، لا نقوم بتمييزه جيداً، إنه رغبة جهولة في التدمير وبالعنف المطلق الذي قد يصل لتدمير الذات، ولكنها تتوقف كثيراً عند معنى التدمير المطلق لا تفارقه.

ونظرة إلى الفروق بين الحركات «المهدوية» الدينية المبكرة في العصر الحديث، والحركات الدينية الأخيرة الموسومة بالتطرف، تجعلنا ندرك مشاكل جذرية أخرى في مجتمعاتنا العربية والأفريقية، جديرة بالتأمل.

بين الأمس واليوم

لنلاحظ استقبال الجماعات الثقافية نفسها لهذه الحركات في الحالتين. فأول الملاحظات أن حركات القرن الثامن عشر، وخلال القرن التاسع عشر كانت تسمى «حركات الإصلاح في العصر الحديث»، وبهذا العنوان ذكر عشراً منها على الأقل كتاب أساسي مثل الذي كتبه الأستاذ أحمد أمين باسم «زعماء الاصلاح الديني»، وتحت هذا العنوان كانت الجماعة الثقافية تضع درجات مختلفة من الاهتمام بشخصيات مثل محمد بن عبد الوهاب ومحمد أحمد المهدي، والسنوسي، وكنا في أفريقيا نضع تحته شخصيات مثل «بن فوديو» و«الكانمي» وعمر تال وغيرهم.

ورغم ما عرف من تطرف يخشاه البعض من الوهابية، قلقت شعوب غرب أفريقيا من الشيخ عثمان دان فوديو، أو «عمر تال» أو غيرهم ممن نادوا بالجهاد وإقامة الخلافة، لكن أحداً لم يتهم أياً منهم بـ«التدميرية» على نحو ما نواجهه اليوم من قبل المتطرفين.

تكاد الظروف العامة نفسها اليوم وشكل الصراع الحضاري أن تتشابه مع ما كان وقت الحركات «المهدوية» في المشهد الثقافي! فهناك كانت أجواء «مواجهة الغرب» في نهضته الحضارية التي تقتحم كلاً من العالم العربي وأفريقيا في آن واحد، تحت شعارات «استعمارية» تحمل أسماء «الإعمار» أو «الاستيطان»، كما تشيع وعياً أو إدعاء «التحديث»، وكانت ثمة مجتمعات وقتئذ لا تقبل، أو تستوعب، هذا الحراك الجديد على المستوى العالمي، وتنشد تأكيد استقلال شعوبها التي كانت تملك مصائرها، بل ومصائر آخرين فترة النهوض الإسلامي في «دول الخلافة» بالشرق الأوسط، أو دول الممالك والسلاطين في أفريقيا، وبهذا الإحساس بـ«العزة» وكرامة الذات إزاء الآخر، جاءت تصورات العزلة والإقصائية- وليس التدمير- عند بعض من حملوا صفة «الإصلاح» مثل «الوهابية» أو «الدانفودية» الأفريقية.

خرجت الأمة من «معارك» تلك الفترة بمعارك التحديث والاستقلال الوطني، التدريجي أو الثوري الخ، أي صراع الحداثة والوطنية مقابل التدين التقليدي أو الإصلاح الديني، كان هناك جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده مثلاً، الأول في مجال الثورة الوطنية «الأفغاني»، والثاني حول «إصلاح البيئة التربوية» بالدين «محمد عبده»، مقابل «مواجهة الغرب» بالتدين التقليدي شديد المحافظة أو بنمو الحركات الصوفية. وكلا النزعتين لم يمكن وسمهما بالتدميرية، أو الميل لتدمير العالم سواء العالم الكلي مثلاً أوالعالم المحيط مثلما نرى الآن!

حركات تدميرية شاملة

في تقديري أن التدميرية عند «بوكو حرام» و«حركات الشباب» و«الدولة الاسلامية» (داعش)، هي جزء من حركة تدميرية شاملة، وليست مجرد حركة دينية حتى في أي من صورها الإصلاحية، وهذا ما يثير حولها الشكوك، والجديد أنها تشارك «الغرب» – ولا تختلف معه في اتجاهات التدمير بعسكرة العالم خلال الحروب المحلية! وضمن ذلك عسكرة تكنولوجيا الحركات الدينية المتطرفة على نحو ما نرى من ترسانات السلاح والفنيين، التي باتت عند كل منها وبكفاءة عالية. وليس صدفة أن ذلك هو نفس التطرف التدميري عند الحركة الصهيونية طوال السنوات الأخيرة، وهي (بالأساس دينية متطرفة وبقيادة أحزابها المتطرفة في إسرائيل)، ممن يقودون حركة التدمير بالوكالة ضد الشعب الفلسطيني!

لا يهم الغرب أعمال إسرائيل التدميرية، بل يشجعها كجزء من عسكرة العالم، ويدفع ذلك الحركات الدينية وإرهابها المتطرف بمزاعم أخرى بالطبع ! إن وجود إسرائيل على رأس القوى اليمينية التدميرية في العالم مدعومة من قوى «العسكرة» «الدولية» بدورها، وعدم تردد الرئيس الأميركي في التعبير عن دعمها، يؤكد حركة «الاستقطاب العالمي» الآن وفي شكل جديد. ثمة قوى تدمير معسكرة تضم المعسكر الرأسمالي الصهيوني، والتطرف الديني من جهة، في مواجهة قوى الرفض الشبابية والجماهيرية على مستوى عالمي، وخاصة بعد تطور العدوان على غزة بهذا الشكل المؤسف، من جهة أخرى.

وفي تقديري أن معسكر العدوان العالمي يحاول أن يطور هيمنته الإعلامية وأدواته الثقافية بحيث يرسم «صورة العالم» بنفسه، وعلى مقاس ما يقوم به! ولنلاحظ أنه يركز فقط على الربط بين«العدوانية» و«التدميرية» وبين«خلفاء» داعش أو بوكو حرام ..الخ ، دون لفت النظر إلى طاقتها التكنولوجية المتقدمة، خوفاً من السؤال عن «المصدر»!. وهم لا يلمحون إلى حقيقة دعم هذه الآليات للتوسع في دائرة التأثير، فالشباب الصومالي يضرب الآن في نيروبى وممباسا، ومن قبل ضرب في كمبالا، و«بوكو حرام» تتمدد في النيجر ومالي والآن إلى الكاميرون، وقوات «داعش» المصطنعة تمضي في أراضي المشرق كمضي «السكين في الزبد» كما يقولون! وكأنه لم تقم هناك «جيوش وطنية» بدعم القوى الكبرى نفسها!

وفي هذا الجو، تقسم «الميديا الغربية» معسكرها كما تشاء. فإسرائيل عندها «حق الدفاع عن النفس»، وكأن شباب الصومال لا يدافعون عن بلادهم، أو أن الحكومات العميلة للقوى الدولية ليس مفروضاً أن تقوم في البلدان الأخرى دفاعاً عن مصالحها الوطنية واستقلالها!

الاستجابة للمخططات بسهولة

تبقى مشكلاتنا في العالم العربي وأفريقيا، أننا نستجيب بسهولة لكل المخططات الإعلامية الغربية، بالصياح أو الصمت! الصياح حول «الإرهاب» وبصيغ محلية تجلب مزيداً من التدخلات الأجنبية هنا وهناك، أو حتى لتُقوى سلطات استبداد محلية أيضاً لا تزيد حياة الشعوب إلا سوءاً. أما الصمت، فهو على جوهر حركة الإصلاح الديني، أو جوهر حركة التحديث، وإقامة الدول الوطنية التنموية، وهو صمت مريب، خاصة من قبل الدوائر الغربية، التي قادت لفترة مؤتمرات «الحوار الديني» و«تطوير الخطاب الديني» و«حركات التنوير»في بلادنا أو في أوروبا، وكأنهم كانوا يقودون حركات التجديد والجهاد الجديد!

ونحن نساعد عملياً بالتركيز معهم على سمات معينة دون أخرى للحركات الإرهابية، فالواقع أننا لسنا أمام مجموعة عصابات في نيجيريا أو الصومال أو مالي... الخ كما يصورون، ولكننا أمام «حركة إرهاب عالمي» لتأكيد عسكرة العالم، وفي مقدمتها وضع إرهاب إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني. وسنكتشف يوماً أنها وشركات عالمية أخرى وراء تسهيل وصول السلاح والتكنولوجيا المتقدمة لحركات الإرهاب في أنحاء أفريقيا والوطن العربي. وليس سراً الآن حجم السلاح الليبى ونوعه والذي وصل بسهولة لأيدى هؤلاء الارهابيين. والأمل ألا تقدم حركات الإسلام السياسي – بأي درجة – غطاءً سياسياً لكل ذلك - والتجربة في سوريا ومصر مريبة. ولا يتمنى أحد أن ينتهي أمرها إلى مجرد اعتمادها على الإرهابيين كأداة سيطرة وتمكين بديلاً عن الثقافة كبيئة للحوار!

حلمي شعراوي

الرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية للعلوم السياسية