التنسيقي يؤجل ملف الأسماء ويكثف النقاش بشأن هيكل الحكومة
بغداد – في وقت تتكثف فيه التكهنات بشأن هوية رئيس الوزراء العراقي المقبل، يؤكد الإطار التنسيقي أن النقاشات الداخلية ما تزال في بداياتها، وأن أي حديث عن أسماء مرشحين لرئاسة الحكومة يُعد سابقاً لأوانه. ويحرص قادة الإطار على إبراز أن الأولوية في المرحلة الحالية تتعلق برسم ملامح الحكومة المقبلة ومسارات الإصلاح السياسي، قبل الانتقال إلى مرحلة بحث الشخصيات المرشحة لتولي المنصب التنفيذي الأرفع في البلاد.
وقال قال عضو الإطار التنسيقي محمود الحياني في تصريح لموقع " بغداد اليوم" العراقي إن المشاورات الجارية لم تصل بعد إلى أي توافقات حاسمة بشأن اختيار رئيس الوزراء. وأوضح أن جميع النقاشات الحالية تتركز على الإطار العام للمرحلة السياسية المقبلة، بما في ذلك شكل الحكومة وبرنامجها، مؤكداً أن الإطار لم يقدّم حتى الآن اسماً واحداً إلى طاولة البحث، ولم يدخل مرحلة المفاضلة بين المرشحين.
وبحسب الحياني، فإن الإطار يفضل تأجيل الخوض في ملف الأسماء إلى حين استكمال النقاش حول أولويات المرحلة المقبلة وضمان تشكيل قاعدة توافق وطني واسعة. وأضاف أن آلية اختيار رئيس الوزراء ستكون خاضعة أولاً لتفاهمات داخلية بين مكونات الإطار، على أن يلي ذلك حوار سياسي مع بقية القوى لتوحيد المواقف وضمان تشكيل حكومة مستقرة.
وشدد على أن ما يُتداول عبر وسائل الإعلام بشأن وجود مرشحين محددين لا يعكس حقيقة ما يجري داخل الاجتماعات. وبحسب قوله، فإن جميع الأحاديث الرائجة حول أسماء بعينها تبقى في إطار التكهنات، لأن الإطار ما يزال يناقش "المعايير العامة" التي يفترض توفرها في رئيس الوزراء المقبل، مثل الكفاءة والقدرة على إدارة التحديات السياسية والاقتصادية، وإمكانية تحقيق توازن في علاقات العراق الإقليمية والدولية.
ويشي المشهد السياسي الأوسع بأن القوى الشيعية دخلت مرحلة مشاورات مكثفة منذ إعلان نتائج الانتخابات، في محاولة لترتيب شكل الحكومة الجديدة. ورغم تداول عدة أسماء داخل وخارج الإطار لشغل منصب رئيس الوزراء، إلا أن جميعها ما تزال في إطار التداول غير الرسمي بانتظار بلورة الموقف النهائي.
وكان مصدر في لجنة تقييم المرشحين كشف أن القائمة الأولية للمتنافسين شهدت تغييرات ملحوظة خلال الأيام الماضية، أبرزها تراجع حظوظ رئيس جهاز المخابرات حميد الشطري. ويعود ذلك، بحسب المصدر، إلى تحفظ قوى نافذة داخل الإطار على الدفع بشخصية ذات خلفية أمنية لشغل منصب سياسي بهذا الحجم، خصوصاً في لحظة سياسية حساسة تتطلب توازناً دقيقاً في علاقات العراق الخارجية وتوافقاً داخلياً واسعاً.
وفي المقابل، شهدت القائمة المصغرة دخول أسماء ذات خبرة سياسية وإدارية أكبر، أبرزها رئيس حكومة تصريف الأعمال محمد شياع السوداني، ورئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، ورئيس هيئة المساءلة والعدالة باسم البدري. كما برز اسم محافظ البصرة أسعد العيداني ضمن الحلقة الضيقة للمرشحين المحتملين، في حين تتزايد المؤشرات على أن الشطري بات خارج المنافسة عملياً.
وتبرز هنا مفارقة لافتة، إذ إن الإطار التنسيقي كان قد وضع شرطاً أساسياً عند مناقشة مواصفات المرشح لرئاسة الوزراء، يقضي بألا يكون زعيماً لكتلة سياسية. إلا أن وجود المالكي والسوداني داخل دائرة الأسماء المتداولة يطرح تساؤلات حول إمكانية تطبيق هذا المعيار، أو ما إذا كان سيخضع لتفسيرات سياسية مرنة تسمح بتجاوزه. ويرى مراقبون أن هذا التناقض يعكس عمق الانقسام داخل الإطار بين تيارين: أحدهما يفضّل شخصية سياسية تمتلك خبرة تنفيذية وقدرة على إدارة الدولة، والآخر يفضّل خياراً توافقياً أقل إثارة للانقسامات الداخلية.
هذه التطورات تأتي بعد إعلان المفوضية العليا المستقلة للانتخابات النتائج النهائية في 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، والتي منحت ائتلاف التنمية والإعمار، بزعامة السوداني، 46 مقعداً. هذا الرقم عزز مكانة السوداني داخل الإطار، وزاد من فرصه كمرشح قوي للولاية الثانية. وفي اليوم نفسه، أعلن الإطار تشكيل "الكتلة النيابية الأكبر"، مستفيداً من تحالفاته التي رافقت نتائج الاقتراع العام والخاص، وهو ما يمنحه الأفضلية دستورياً في تقديم مرشح لرئاسة الحكومة.
لكن المشهد تعقّد أكثر بعد قرار المحكمة الاتحادية العليا إنهاء عمل مجلس النواب وتحويل الحكومة الحالية إلى وضع "تصريف الأعمال". هذا القرار وضع الإطار أمام استحقاق دستوري مستعجل، إذ يتطلب الوضع اختيار رئيس وزراء جديد في أسرع وقت لتجنب دخول البلاد في فراغ سياسي يمتد لأسابيع أو أشهر.
وتُظهر المعطيات الحالية أن الإطار يقف أمام مفترق طرق حرج: فإما التوصل إلى شخصية تحظى بحد أدنى من الإجماع الداخلي والإقليمي، وإما الانزلاق نحو أزمة سياسية جديدة داخل البيت الشيعي، خاصة مع تصاعد الخلافات حول معايير اختيار المرشح المناسب. ورغم محاولات قيادة الإطار إرسال رسائل تطمين بشأن قدرتها على إدارة الخلافات الداخلية، إلا أن الساعات المقبلة قد تشهد مزيداً من التوتر مع اقتراب موعد الحسم.
ولا يمكن فصل مشاورات اختيار رئيس الحكومة عن السياق الإقليمي الأوسع. فالحراك السياسي في بغداد يجري وسط تصاعد التوتر بين إيران، الداعم الرئيس لقوى الإطار، والولايات المتحدة التي تتابع التطورات العراقية بدقة. ويرى محللون أن شخصية رئيس الوزراء الجديد قد تعكس الاتجاه المستقبلي للعلاقة بين الطرفين داخل العراق، وهو ما يضع الإطار أمام معادلة دقيقة تتطلب مرشحاً قادراً على إدارة توازنات معقدة.
وبين تكثيف المشاورات وتزايد الضغوط الداخلية والخارجية، تبدو الصورة حتى الآن أن الإطار لا يزال في مرحلة "ما قبل الأسماء"، وأن أي حديث عن توافق نهائي لا يزال بعيداً. فالمعيار الذي يرفعه الإطار اليوم هو: شكل الحكومة أولاً، ثم الإصلاح، وبعد ذلك يأتي اختيار رئيس الوزراء.