'التواصل الأدبي بين الشعوب' حوار ثقافي بين الحضارات

المعاني مطروحة في الطريق يعرفها البدوي والحضري

صدر عن دار النيل والفرات للنشر والتوزيع بمصر كتاب "التوصل الأدبي بين الشعوب" للكاتب الكبير د. يسري عبدالغني، خبير التراث الثقافي، والذي أثرى المكتبة العربية بما يزيد عن 45 كتابًا في مجالات الفكر، والنقد الأدبي، والتاريخ، والتراث، ويلخص هذا المنتج العلمي عملية التبادل الثقافي بين الدول عبر الأدب منذ العصر اليوناني، والنهضة العربية، والأوروبية حتى نهايات القرن العشرين.

وقد اشار المؤلف (ص 5 : 9) إلى أهمية هذا التواصل المعرفي؛ في أنه يقرب المسافات بين الاتجاهات والأفكار الأدبية متسلحًا بكل ما تحمله الكلمة من دلالات، فينتقل الفكر بين الدول المتقدمة في المجال الأدبي، وبين الدول المستقبلة لمثل هذه المنتجات دون أن يلغى كل منهما الذات القومية، أو خصوصيات الآخر، وذلك بهدف الوصول إلى حالة من الفهم المشترك وتبادل الخبرات، حيث يقدم الأدب المقارن والنقد الأدبي للمجتمعات صورًا وأنماطًا مختلفة تساعد في مزاج المعارف الإنسانية في بوتقة واحدة، حيث يوضح الأدب المقارن خط سير الآداب العالمية، وما تحتويه من جديد، ومن ثم تحدث حالة من التأثير والتأثر بين مختلف الثقافات.

• الثقافات تعزز بعضها البعض

وبصفة عامة يمكن القول بأن الأشكال الأدبية المتنوعة تدعم بعضها البعض عبر التواصل، حيث تسهم الكتب والمؤلفون وحركة الترجمة والمنتديات الثقافية في تعزيز هذا التقارب. فالأفكار إذا حبست داخل الإقليم الواحد أصابها الوهن والضعف، ومن ثم التراجع، بينما الانطلاق نحو الخارج يمنح اللغات حيزًا من الانتشار عبر الأفكار المتنوعة، وخير دليل على ذلك أن الأدب اللاتيني قد تأثر باليوناني، والعربي بالفارسي، والأوروبي بالعربي، ثم العربي بالأوروبي في العصر الحديث، ويقوم الأدب المقارن بشرح جوانب هذا التأثير، ويشرح كيف تمت هذه العملية، وبأي طريقة حدثت، وما هي عوامل القوة والضعف في هذا التبادل المعرفي.

• خصائص الباحث في الأدب المقارن

لهذا النوع من البحوث الأدبية بعض الشروط التي يجب توافرها في الباحث (ص26: 28) ومنها أن يتمتع الباحث بثقافة موسوعية، وخاصة العلوم التاريخية، وإجادة بعض اللغات بجانب اللغة الأصلية؛ لأن الاعتماد على التراجم في الدراسات قد يؤدي إلى نتائج غير دقيقة، فبناء الفروض على بعض الترجمات غير المنضبطة يجعل المخرجات ذات دلالات خاطئة، ويجب أن يكون الباحث في مجال الأدب المقارن على معرفة بالمصادر والجوانب الخاصة بموضوع البحث، والدراية الشاملة بأنواع الأجناس الأدبية، من حيث النشأة، والأسلوب الفني، والمضمون، والمحتوى؛ وقد انتشرت حركة الأدب المقارن منذ منتصف القرن التاسع عشر مع كتابات جوته الألماني، ليثري الحركة الثقافية بهذا النوع من الدراسات المفيدة.

• مراحل تطور الثقافات الأدبية

وقد أشار المؤلف في أجزاء عديدة من كتابه إلى أن الحركة الأدبية عبر التاريخ قد مرت بعدة مراحل منها مرحلة الملاحم والبطولات الخارقة، ثم الكلاسكية، والرومانسية، والرمزية، والوجودية، والعبثية، واللامعقول، وأن لكل مرحلة خصائص وسيمات تمددت في كافة المنتجات الثقافية بالعالم، فقد كان عصر الملاحم خياليا، ويعرض لبطولات خارقة، أما الأدب الكلاسيكي فقد كان قائما على تقليد اليونانيين، وتميز هذا النوع بالاعتماد على العقل، وتغليب الخير على الشر، وكان هذا النوع يناسب الطبقات الاستقراطية، أما الحركة الرومانسة في الأدب منذ ظهورها في منتصف القرن التاسع عشر في انجلترا وتمددها بعد ذلك في ألمانيا، وفرنسا، وأسبانيا، وإيطاليا، ثم انتشارها في باقية بلدان العالم؛ فقد عبرت عن المشاعر البشرية بعمق، وشرح هذا النوع الحالم مشاعر الطبقات المتوسطة والدنيا في المجتمعات المختلفة.

• المذهب الواقعي والبرناسي، والرمزي

اعتمد المذهب الواقعي على تقديم الواقع من خلال المشاهدات الخارجية، والمدركات الذهنية، وأحوال المجتمع، وأول من تآثر بهذا النوع هو الرسام كوريه (1819 - 1887) والكاتب في هذا النوع يستمد شخصياته من الطبقات الوسطى، ويتحدث عن آفاتها، وآمالها، وطموحاتها، عبر تناول قضايا الفلاحين والعمال، وما يقع عليهم من جور وتعسف، وتتميز هذه القصص بعرض الأحداث دون شرح شخصي، وهذا الاتجاه يبتعد عن المبالغة، والعناية بالأسلوب، ومهمته الأولى هي ترتيب الأحداث، والتعبير عنها تعبيرًا منطقيًا.

أما مذهب الفن للفن أو ما يعرف بالبرناسية نسبة إلى جبال برناس في بلاد اليونان، فيقوم العمل الأدبي فيه على خصائص جوهرية تعتمد على الجمال، الذي يولد المتعة؛ وهذا المذهب ابتعد عن الرومانسية، ولم تعد الطبقة الوسطى محورًا لاهتمامه، ومن ثم ارتد بالأدب نحو الكلاسكية مرة أخرى.

في حين تحرك المذهب الرمزي نحو التعبير عن المعاني المختلفة بالرمز والإيحاء، ليصبح للمتذوق نصيبًا في تكملة الصورة الفكرية المطروحة، حيث يحدث التأثير في المتلقي عن طريق إثارة الجوانب النفسية، حيث يخلط الرمز بين الشعور، واللاشعور، وعالم الأشباح، والأرواح. ومن خلال طرح هذه المذاهب وكيف تأثر بها الآخر، يمكن القول بأن الأدب المقارن أسهم في تداول المذاهب الأدبية المختلفة عبر التواصل الأدبي بين الشعوب.

نماذج من التأثير المتبادل: هناك الكثير من النماذج التي تثبت التأثير الثقافي المتبادل بين الأمم، فقد أثر الشاعر اليوناني هرميروس في غيره، فعندما كتب "ملحمة الإلياذة أو الأوديسا"؛ قلده الشاعر اللاتيني فرجيل بكتابة "ملحمة الإنيادة".

كما أن الإيطالي دانتي عندما كتب ملحمة الكوميديا الإلهية تأثر برحلة الإسراء والمعراج التي قام بها الرسول الكريم (محمد صلى الله عليه وسلم) والبعض يذهب إلى أن دانتي قد تأثر برسالة الغفران لأبي العلاء المعري، ولكنهم لم يقدموا ما يثبت ذلك.

وفي مجالات المسرح تأثرت الآداب الأوروبية بالمسرح اللاتيني، كما تأثر المسرح الأوروبي بحكايات ألف ليلة وليلة العربية، وفي حركة عكسية للثقافة تأثر توفيق الحكيم وغيره بالمسرح الغربي.

وفي مجال الحكي على لسان الطير قيل أن بابريوس اليوناني نظم 123 حكاية، كحكايات كليلة ودمنة التي ترجمت للعربية علي يد عبدالله ابن المقفع، ويقال إنها حصاد لبعض ما ورد على لسان الطير من بلاد الهند، والصين، ومصر، وبلاد العرب.

• خلاصة دراسات الأدب المقارن

من خلال الفحص والتدقيق أسفرت دراسات الأدب المقارن عن حقيقة مفادها أن الأفكار واحدة، فهي خط يشترك فيه كل الناس، وفي هذا الصدد يقول الجاحظ: "المعاني مطروحة في الطريق يعرفها البدوي والحضري، ولكن التعبير الشخصي الذي تصاغ فيه الأفكار هو الذي يختلف من أديب لآخر، حسب اللغة، والأسلوب، والثقافة".