التوترات في السليمانية لن تعرقل مسار تشكيل حكومة إقليم كردستان

متابعون للشأن الكردي لا يخفون قلقهم من أن تؤثر الفوضى في السليمانية على صورة الاتحاد الوطني كقوة سياسية قادرة على فرض الاستقرار داخل مناطقه.
الانقسامات تضع الاتحاد الوطني أمام اختبار أمام شريكه الديمقراطي الكردستاني

أربيل - رغم تصاعد التوترات الأمنية الأخيرة في مدينة السليمانية، والتي أعادت إلى الواجهة الانقسامات الداخلية داخل الاتحاد الوطني الكردستاني، تؤكد مصادر سياسية مطلعة أن هذه التطورات لن تُعيق بشكل مباشر المفاوضات الجارية بين الحزبين الكرديين الرئيسيين لتشكيل حكومة إقليم كردستان الجديدة.
وكانت السليمانية قد شهدت خلال الأيام الماضية صدامات مسلحة عنيفة بين قوات مقربة من الرئيس المشترك للاتحاد الوطني الكردستاني بافل طالباني وأخرى تابعة للقيادي المفصول لاهور جنكي، في واحدة من أعنف التوترات التي عرفها معقل الاتحاد الوطني منذ سنوات. ورغم ذلك، يرى مراقبون أن هذه الأحداث، وإن كانت بالغة الخطورة على المستوى الداخلي للحزب، فإنها لن تؤدي إلى تعطيل مسار التفاهمات السياسية مع الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي يواصل الحوار لتشكيل حكومة الإقليم.
وفي هذا السياق، قال الباحث في الشأن السياسي، ياسين عزيز، في تصريح لموقع " بغداد اليوم"، إن المباحثات الجارية بين الحزبين تستند إلى توافق سياسي أوسع من حدود الخلافات العسكرية أو التنظيمية داخل أي من الطرفين. وأضاف "رغم أهمية ما جرى في السليمانية وخطورته، إلا أن التركيز ما زال منصباً على استكمال تشكيل الحكومة وتفعيل المؤسسات الدستورية، وفي مقدمتها برلمان الإقليم".
وأوضح أن الأحزاب الأخرى في الإقليم سبق أن أعلنت انسحابها من مفاوضات تشكيل الحكومة واختيارها لدور المعارضة البرلمانية، ما يجعل مهمة تشكيل السلطة التنفيذية مسؤولية مباشرة للحزبين الرئيسيين. وتابع قائلاً "الطرفان متفقان من حيث المبدأ على ضرورة تفعيل البرلمان في سبتمبر/أيلول المقبل، وتجاوز الجمود السياسي الذي أعقب الانتخابات الأخيرة".

الطرفان متفقان من حيث المبدأ على تجاوز الجمود السياسي

ورغم هذا التفاؤل النسبي، لا يخفي متابعون للشأن الكردي قلقهم من أن تؤثر الفوضى في السليمانية على صورة الاتحاد الوطني كقوة سياسية قادرة على فرض الاستقرار داخل مناطقه. فالأحداث الأخيرة كشفت مجددًا عمق الانقسام داخل الحزب، خاصة بعد تجدد المواجهة بين جناحي بافل طالباني ولاهور جنكي، والتي كانت قد تفجرت سابقًا في عام 2021 وأُعيدت السيطرة عليها جزئياً من خلال تحركات أمنية مركزية.
ويرى محللون أن هذه الانقسامات تضع الاتحاد الوطني أمام اختبار صعب، ليس فقط داخلياً، بل أمام شريكه الديمقراطي الكردستاني، الذي يحتاج إلى طرف سياسي مستقر يمكن الوثوق بقدرته على تنفيذ الاتفاقات السياسية، خاصة فيما يتعلق بالحقائب الوزارية السيادية كالداخلية والبيشمركة والمالية.
ومع استمرار التوترات الأمنية، تُطرح تساؤلات حول قدرة قيادة الاتحاد الوطني على إعادة فرض السيطرة السياسية والتنظيمية داخل معقله الأساسي، وإعادة ترميم الثقة سواء داخلياً أو على مستوى العلاقة مع الشركاء السياسيين في الإقليم.
وبحسب مصادر قريبة من مفاوضات تشكيل الحكومة، فإن أبرز الملفات العالقة بين الحزبين لا تزال تتعلق بتقاسم المناصب العليا، وعلى رأسها رئاسة البرلمان ورئاسة الحكومة، إضافة إلى إدارة الوزارات الأمنية، التي تتطلب قدراً عالياً من التنسيق والتفاهم، لا سيما في ظل الوضع الأمني المتقلب في بعض مناطق الإقليم.
ورغم أن كلا الحزبين لم يُدلِ بموقف رسمي واضح بشأن تأثير أحداث السليمانية على المحادثات، إلا أن سلوكهما السياسي خلال الأسابيع الأخيرة يشير إلى رغبة في فصل المسارات الأمنية الداخلية عن المسار السياسي التفاوضي. فالحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي يُعد القوة الأكبر انتخابياً، أبدى مرونة في بعض الملفات التقنية، مقابل التزام الاتحاد الوطني بمبدأ تقاسم النفوذ ضمن المؤسسات.
وفي هذا السياق، يقول مراقبون إن المخاوف الأكبر لا تتعلق بفشل تشكيل الحكومة، بل بما قد تتركه أزمة السليمانية من أثر بعيد المدى على استقرار الإقليم بشكل عام، خاصة إذا تطورت الاشتباكات إلى مواجهات موسعة، أو تم استغلالها من أطراف إقليمية تسعى لزعزعة الوضع في كردستان العراق.
ويرى بعض الخبراء أن ما جرى قد يعيد فتح النقاش حول مركزية القرار الأمني داخل الإقليم، وضرورة توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية، وهو ملف حساس ومؤجل منذ سنوات، ويُعد أحد العوائق الرئيسية أمام بناء دولة إقليمية مستقرة وقائمة على المؤسسات لا التوازنات الحزبية فقط.
ووفي خضم هذه التطورات، يبقى مستقبل حكومة الإقليم مرهوناً بمدى نجاح الحزبين في تجاوز التحديات الآنية، وعزل الملفات الخلافية عن المسار السياسي، مع ضرورة أن يعيد الاتحاد الوطني تقييم بنيته التنظيمية الداخلية بشكل عاجل، إذا ما أراد الحفاظ على دوره كشريك سياسي فاعل وقادر على الاستمرار.