الثورات يذهبن السيئات

في المشهد المصري الحالي يصبح الصمت أكثر بلاغة. حتى إذا احتميت بالرصيف، واستغنيت عن المشاركة، فسوف يلاحقك رذاذ المقالات والتعليقات والبرامح وعودام وسائل التواصل الاجتماعي. كلام كالكلام، هراء ينصب به كل من أصابته لوثة السياسة، بعد سن الأربعين، نفسه وصيا على الدين أو الوطنية أو الثورة.

هناك من ثاروا بعد الثورة، وهم يجهلون دلالة المثل الشعبي الساخر من الذهاب إلى مكة بعد عودة الحجيج، وأنه «لا هجرة بعد الفتح». بعض هؤلاء كانوا من مماليك فاروق حسني، سمار الليالي المؤلفة قلوبهم، يتقاضون مكافآت مقابل النميمة. بعضهم رعايا «الحظيرة» التي آوى إليها الصغار والكبار الصغار، وتباهى الوزير بقدرته على شراء النفوس، وأعلن أنه يشتري أحدهم بعشاء وصحبة، وآخرين بمنصب وهمي مقابل راتب. رد مملوك كبير حالم بالوزارة على سؤال يخص التصاق مملوك شاب بمكتبه، مستشار لا يستشار، قائلا: نمنح هذا القزم التافه مكافأة شهرية لأنه يأتيني بمصارين الحركة الثقافية.

نعلم أن الثورات يذهبن السيئات، بشرط أن يتحلى بفضيلة الحياء من فاجأتهم الثورة، وفاتتهم روحها حين كان للنضال ثمن. ليس من الحكمة ولا الشجاعة أن ترقص فوق جثة، ولا أن تبتذل المعنى في المزايدة.

في مايو 1996 ذهبت بمخطوطة روايتي الأولى «حديث الجنود» إلى الهيئة العامة لقصور الثقافة، كان الغرفة الضيقة الخاصة بمحمد كشيك، شيخ العرب بحق، تسع ضيوفه الكثيرين، ودخل موظف يتعاطى الإبداع، كان يتصبب عرقا، وهو عائد من مكتب جمال الغيطاني بمخطوطة مجموعته القصصية «شطف النار»، بعد أن حمل للغيطاني جديد إصدارات الهيئة. بدا فرحا فخورا بأنه سيتولى أمر قصص الغيطاني وتصحيحها. نظر إلى عنوان روايتي، وهز رأسه وابتسم، وكان موظف شاب على وشك تعاطي الإبداع أيضا، بحكم وجوده في هيئة لها علاقة بالنشر، قد أعد حملا من الكتب، وقال للموظف الأكبر سنا، العائد من مكتب الغيطاني، إنه جهز هذه الكتب لمحمد مستجاب. ثم توجها معا بحمل الكتب إلى مستجاب في بيته بالعمرانية. غبت شهرا، ثم ذهبت لزيارة محمد كشيك، ولم أسأل عن روايتي، فدخل الموظف متعاطي الإبداع يحمل نسخا من كتاب الغيطاني. ابتسم وقال إن روايتي ربما تصدر نهاية في العام، ولم ينتظر أن يشرب معنا الشاي، لأنه يتعجل الذهاب بنسخ كتاب الغيطاني إلى الغيطاني، وحمل إليه جديد إصدارات الهيئة.

لم يكن لهذا الموظف كبير السن، وذاك الموظف الذي كبر الآن في السن، علاقة بالسياسة. لم يكتب أحدهما مقالا في انتقاد سلوك وزير أو سياسة وزارة، ولكنهما في مرحلة غياب المعنى بعد الثورة أكثر جرأة على «الكلام» المجاني، وإصدار فتاوى في كل شيء، ومنح صفات الوطنية والثورية ومنعها أيضا، في زحام فتاوى وطنية وثورية تؤكد مقولة المهدي المنجرة: «الهروب إلى الكلمات دليل على غياب المعنى».

من كان لهم شرف انتقاد مبارك شخصيا، وعائلته ورجاله، وجدوا من المروءة أن ينظروا إلى المستقبل؛ فليس من الشجاعة أن تسب ضعيفا قليلة الحيلة، سجينا أو مريضا أو ميتا. كان في صمت الذين انتقدوا مبارك، حين كان قويا، بلاغة لم يدركها الصامتون السابقون، فاحتلوا هذا الفراغ بفتاوى تكفير وطني، جرأة تذكرني بصباي ومراهقتي في ظلال جماعات إسلامية، كان العقلاء آنذاك يذكروننا بمقولة تراثية، ولعلها حديث نبوي: «أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار»، ومن المفارقات أن أولئك الناصحين كانوا أقل رحمة، وأكثر جرأة على التكفير.

لا يتحدث الأحرار عن الحرية، هي سلوك يومي، استحقاق إنساني لا يقل عن الماء والهواء. ولا يذكر الشريف كلمة الشرف، البغي التي لا تريد التعفف هي الأكثر إلحاحا على مصطلح «الشرف».

مصلحات كثيرة زاعقة اختبأ وراءها الصغار، ومن كثرة التكرار غاب المعنى وابتذل. يدل الصخب المفتعل، والمزايدة أحيانا، على صدق قول النفري: «كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة»، ولن تتسع الرؤية لمتعوس، خائب الرجاء، كاره للبشر، فاته قطار التحقق فلم يبال بقذف راكبي هذا القطار بأسلحة حادة، نيران الغيرة التي وقودها حجارة الوطنية والثورة والشرف.

قلت إن الثورات يذهبن السيئات، سيئات عصر مبارك وهي الطمع والصمت والخوف، ولكن الأكثر سوءا أن يندفع بعض من طمعوا وصمتوا وخافوا، تكفيرا عن إحساسهم بالذنب، إلى الغلو في التكفير الوطني والثوري. عن هؤلاء قال لينين في كتابه «مرض اليسارية الطفولي في الشيوعية»: «ليس من الصعب أن يكون المرء ثوريا، عندما تكون الثورة قد اندلعت واستعر أوارها، عندما يلتحق بالثورة كل أحد، إما اندفاعا وراء الأحاسيس، أو اقتفاء للموضة، أو حتى أحيانا من أجل مصالح وصولية خاصة». رحم الله لينين ورحمنا.