الثورة السورية بين شيوخ النظام ومعارضيه وجماعات الإرهاب

سلسلة "مراصد" التي تصدرها وحدة الدراسات بمكتبة الاسكندرية تلامس الخيوط الرئيسية التي تشكلت بها الثورة السورية وأدت إلى ما نراه الآن من مآلات.


عندما تتداخل الأهداف تتكون التحالفات بين الجماعات بغض النظر عن الأيديولوجية


خطابات علماء السنة الدمشقيين خلال ثورة 2011


إذا انهارت القلعة: أيديولوجية الثورة السورية وأهدافها

بعد سبع سنوات من اندلاع الثورة السورية في فبراير/شباط 2011، يبدو أن الأوضاع المأساوية التي لحقت بسوريا نتيجة لاحتجاجاتٍ شعبية قامت مطالبة بعدد من الحقوق المدنية ليست في طريقها للحل وفقا لكافة التحليلات، فعلى الرغم من فقدان تنظيم داعش سيطرته على مدينة الرقة التي كان قد أعلنها عاصمة له في أكتوبر/تشرين الأول 2017، فإن العمليات العسكرية بين الأطراف المتناحرة الدولية والاقليمية لا تزال قائمة في مناطق عدة في سوريا حتى يومنا هذا. عوضًا عن ما خلفته هذه العمليات من دمارٍ يحتاج للعديد من السنوات ومليارات الدولارات لإعادة الإعمار. 
فوفقا للشبكة السورية لحقوق الانسان، قُدِّر عدد القتلى من المدنيين السوريين في العام 2017 بـ  10.204 قتلى، من بينهم 2.298 طفلا و1.536 سيدة. في حين تعدى عدد اللاجئين السوريين حول العالم خمسة ملايين ونصف مليون لاجئ وفقًا للأرقام الرسمية المسجلة بالمفوضية السامية للأمم المتحدة لشئون اللاجئين.
العدد الجديد من سلسلة "مراصد" التي تصدرها وحدة الدراسات بمكتبة الاسكندرية يلامس الخيوط الرئيسية التي تشكلت بها الثورة السورية وأدت إلى ما نراه الآن من مآلات؛ من خلال دراستين مختلفتين في المنهجية، تم ترجمتهما، ويصيغان سويًّا صورة متماسكة عن القواعد التي يقوم على أساسها الاقتتال الحالي. 
الدراسة الأولى للدكتور جواد قريشي من سوريا بعنوان "خطابات علماء السنة الدمشقيين خلال ثورة 2011"، والتي تشير مقدمة الدراستين إلى أنها تقدم سردًا خطيًّا لتعاطي خطباء المساجد وعلماء السنة الدمشقيين مع الأحداث اليومية في السنة الأولى من الثورة. ومن خلال هذه الدراسة يستطيع القارئ أن يتلمس المواقف المختلفة التي اتخذها هؤلاء العلماء من خلال إدراكهم وتطبيقهم لمفهومي الفتنة والنصيحة للحاكم في الإسلام. وتثير هذه الدراسة خاطرة مهمة حول التفاوت بين مطالب المتظاهرين التي كانت في بدء الأمر تقوم على حقوق مدنية خالصة وبين استخدامهم الأداتي للمساجد كأماكن للتجمع وانطلاق التظاهرات.
أما الدراسة الثانية "إذا انهارت القلعة: أيديولوجية الثورة السورية وأهدافها"، فصدرت أولاً باللغة الإنجليزية عن مركز الدراسات الدينية والجيوسياسية بالمملكة المتحدة في ديسمبر/كانون الأول 2015. وتعتمد على منهجية كمية تحلل 90 جماعة فاعلة في الصراع السوري، وتحاول تفنيد تداخل الأيديولوجيات والأهداف لهذه الجماعات؛ تحسبًا لما يمكن أن ينتهي إليه الوضع في سوريا مستقبلاً. 
تنتهي فترة الدراسة الأولى في عام 2012 والثانية في عام 2015. ولا يزال المشهد الراهن في سوريا يحكمه عددٌ هائلٌ من المصالح والحسابات المتشابكة والمتداخلة لأطراف الصراع سواء الداخلية أو الإقليمية أو الدولية.
ناقش قريشي ما أدلى به العديد من الشيوخ داخل سوريا وخارجها بدلوهم حول الثورة مثل معاذ الخطيب، محمد اليعقوبي، كُريِّم راجح، أحمد حسون، أسامة الرفاعي، سعيد البوطي، في بداية الأزمة، وقال "فعليًّا جميعهم أدانوا استخدام العنف. خلال هذه الفترة، المواقف التي اتخذها العلماء اختلفت إلى حد كبير. أسهم استخدام العنف الجامح ضد المتظاهرين في تغليظ مواقف علماء كالرفاعي وراجح. فخطابهم تحول من الضغط على النظام لوقف العنف وإجراء إصلاحات إلى استهجان كلي ومطالبة بتغيير النظام. هذا التحول، حدث مبكرًا إلى حد كبير مع اليعقوبي".
ورأى أن منع العلماء الذين بقوا في سوريا – مثل الرفاعي وراجح – من الخطابة العديد من المرات خلال العام. بينما أسكت تمامًا الخطيب بعد إطلاق سراحه من شهر الاحتجاز الذي قضاه في يونيو/حزيران. ربما أكثر العلامات الدالة على إحباط النظام من الرفاعي وراجح ظهرت في رمضان 2011. 
استمر العنف خلال الشهر المبارك وفي ليلة 27 رمضان المباركة هاجم شبيحة النظام مسجد الرفاعي. أطلق الرصاص المطاطي على المتظاهرين وعاث الشبيحة بالمسجد وجرح الرفاعي. ونبذ البوطي وحسون بشدة وأصبحوا هدفًا للنقد العنيف من العديدين داخل سوريا ومن المتعاطفين مع المتظاهرين خارجها. أصبح حسون أقرب للدولة بعد مقتل ابنه ذي الاثنين والعشرين عامًا في محافظة إدلب في الثاني من أكتوبر/تشرين الأول. مقتل ابنه استخدم من قبل النظام لادعاء التضحية وتبرير العنف كنوع من أنواع الدفاع عن النفس. 
وفوق ذلك، بعض تصريحات القوى الأجنبية (مثل دور الناتو في ليبيا في بداية عام 2011) التي تساند المتظاهرين في الإطاحة بالنظام استفزت المفتي للتصريح بأن سوريا ولبنان سوف ترسل أبناءها وبناتها للقيام بعمليات استشهادية في أوروبا وإسرائيل. واجه البوطي انتقادًا قاسيًا من عامة السوريين ومن العلماء الآخرين لتشويهه المستمر لسمعة المتظاهرين وإصراره العنيد على ترديد الرواية الرسمية للأحداث. في أواخر يونيو/حزيران، أفتى بعدم جواز التظاهر، وقوبلت فتواه بسخرية المتظاهرين.
وأوضح أن العلماء الذين كانوا جزءًا من جهاز الدولة ـ سواء رسميًّا كحسون، أو بشكل غير رسمي كالبوطي ـ لو كانوا قادرين على التباري مع الدولة. بالوقوف على ذلك، يمكننا الإشارة إلى الشيخ إبراهيم السلقيني مفتي حلب الذي حذر الرئيس الأسد ـ عندما تصاعدت الأحداث في مصر وتونس ـ بنقل آثار الربيع العربي إلى سوريا ونصحه بأخذ خطوات استباقية لتجنب الفتنة الطائفية.  
في أغسطس/آب، أصدر السلقيني وعلماء آخرون من حلب بيانًا منددين فيه بفظاعات الحكومة خلال التظاهرات. بالإضافة إلى ذلك، فقد ألقى سلسلة من الخطب مستهجنًا فيها بأقوى الألفاظ التصعيد الحادث طوال الصيف. توفي السلقيني في السادس من سبتمبر/أيلول تحت ظروف تحيطها الريبة معتقدين أن زيارة أفراد المخابرات الأخيرة له خلال مرضه ساهمت في وفاته. فرغم كونه مفتي حلب، فإن السلقيني تحدى أفعال الدولة".
ولفت قريشي إلى أن تركيزه على المساجد وخطب الجمعة في دراسته، لا يعني اقتراحي أن المتظاهرين كان جميعهم بالضرورة أناسًا متدينين. فبالرغم من الانتقادات التي طالت البوطي، فإنه شرح وبدقة الاستخدام الأداتي للمساجد. فمع اكتساب المتظاهرين جرأة أكبر وانتشارهم، لم تعد المساجد تمثل نقطة الانطلاق الرئيسية للتظاهرات، ومواقع أخرى ظهرت إلى جانبها كالساحات العامة والأسواق. وفوق ذلك، يبدو أن العلماء فقدوا قدرتهم (أو ربما لم يملكوا يومًا القدرة) على قيادة التظاهرات أو إرشادها، خاصة بعد ظهور الجيش السوري الحر والجماعات المشابهة. عدم تفاعل المتظاهرين مع الهجوم على الرفاعي الحادث في رمضان يقترح عدم قدرة العلماء على وضع أنفسهم كرموز أو قادة للتظاهرات. أخيرًا، هناك العديد من التفاعلات بين العلماء والنظام تحتاج للأخذ في الاعتبار عند كتابة تاريخ هذه الأحداث، خاصة في المدن التي كانت فيها التظاهرات والحملات الأمنية على أشدها.
الدراسة الثانية والتي ترجم ملخصها الإجرائي بحثت خمس عشرة جماعة جهادية على استعداد لخلافة داعش، وجميعها ذات أيديولوجية سلفية جهادية: وهي أيديولوجية دينية ـ سياسية عابرة للقوميات تقوم على الاعتقاد في الجهاد العنيف كوسيلة لفرض العودة إلى تصورهم عن الإسلام في عصر التابعين الأوائل للنبي محمد (صلى الله عليه وسلم). أكدت أن أفعال داعش الوحشية والمرعبة تصدمنا، ولكن داعش ليست فقط "طائفة للموت"؛ فهي تُمثِّل استمرارًا لطريقة تفكير بدأت حتى قبل وجودها، وستستمر في حال هزيمتها. بالتركيز على داعش وحدها، يخاطر الغرب باقتراف فشل استراتيجي؛ فهزيمتها عسكريًّا لن تنهي الجهادية العالمية. لا يمكننا قصف أيديولوجية، فحربنا فكرية في المقام الأول.
وأوضحت أنه "في حالة هزيمة داعش وحدها، هناك مخاطرة كبيرة أن مقاتلي داعش وغيرها من الجماعات الجهادية سيوسعون من نطاقهم يبدأون هجمات خارج سوريا. وسيصبح النداء الجديد للم الشمل هو "الغرب دمر الخلافة". وستسعى هذه الجماعات في تصعيدٍ خطير إلى التنافس على دائرة الضوء، لاكتساب ولاء المقاتلين حول العالم واستجلاب التمويل الذي تجتذبه داعش في الوقت الحالي.
ومن النتائج الرئيسية التي توصلت إليها الدراسة، أولا:60%  من الجماعات المعارضة الرئيسية في سوريا هي جماعات إسلامية متطرفة. ثانيا: ما لم ينتهِ الأسد، ستستمر الحرب السورية وتنتشر على نطاقٍ أوسع. ثالثا: لا يمكننا تقسيم المعارضة في سوريا إلى متطرفين ومعتدلين. رابعا: التراخي العالمي يؤدي إلى ازدياد التطرف. خامسا: إذا هزمنا داعش، تقف 15 جماعة في طابور الانتظار.
وفيما يتعلق بالنتيجة الرئيسية الثالثة الخاصة بتقسيم المعارضة بين متطرفة ومعتدلة، أوضحت الدراسة أنه "عندما تتداخل الأهداف قصيرة أو طويلة المدى، تتكون التحالفات بين الجماعات بغض النظر عن الأيديولوجية. بطول البلاد يقاتل الإسلاميون وغيرهم داعش والأسد جنبًا إلى جنب. يهيمن على جنوب غرب البلاد تحالف جبهة الجنوب بقوة 30 ألف مقاتل. ويحشد جيش الفاتح؛ وهو ائتلاف تقوده القاعدة ويسعى لإقامة دولة إسلامية، جماعات الإسلاميين والسلفية الجهادية والجماعات غير واضحة الأيديولوجية. وفي الشرق يقاتل القوميون السوريون بجانب الانفصاليين الأكراد (في تحالف القوى الديمقراطية السورية) داعش. كما تنتشر جماعات أخرى بطول سوريا، يقاتلون بعضهم بعضا في مكانٍ ما، بينما ينتظم أعضاؤهم في تحالفات في مكانٍ آخر. 
كل هذا يُظهِر أن أي محاولة من القوى الدولية للتفريق بين المعتدلين المقبولين والمتطرفين المنبوذين هي محاولة معيبة؛ فلا يوجد أي حد للتداخل بينهما. ففي إحدى المعارك بجسر الشغور عام 2015، تم استخدام مقاتلي جبهة النصرة كجنود مصادمة، بغطاء من المعارضة المسلحة في الغرب. وفي الوقت نفسه، أفادت تقارير بأن الجيش السوري الحر، والمدعوم بالسلاح من الولايات المتحدة الأميركية، كذب بخصوص تعاونه مع جبهة النصرة . 
لاقت المحاولات الغربية لتقسيم المعارضة إلى معتدلين ومتطرفين مشكلاتٍ متكررة. أفادت تقارير أن الولايات المتحدة الأميركية قدمَّت دعمًا مسلحًا لأربع جماعات تضم صواريخ مضادة للدبابات؛ وهي جماعات تعتمد الأيديولوجية الإسلامية أو السلفية الجهادية: لواء المهاجرين والأنصار، وفيلق الرحمن، وحركة نور الدين الزنكي، والفرقة الأولى الساحلية. 
كما أن الزعم بوجود 70 ألف مقاتل من المعتدلين على استعداد لدعم الهجوم الجوي الدولي ضد الدولة الإسلامية مشكوك فيه بشدة. وقد أظهرت دراسة للفصائل المحتملة التي تضمنها هذا الرقم أن 19 ألف ميليشيا تم تصنيفها على أنها إسلامية أو سلفية جهادية.