"الجحش السوري" مأساة سردية المسخ السوري

عتبة عنوان رواية أسماء معيكل تبدو مربكة واستفزازية لتوقعات القارئ، الشيء الذي يولد في مستوى تلقيه الأولي الكثير من التساؤلات، والإجابات الملتبسة.


اختفاء بعض الأشخاص الذين عرفوا بانتقاداتهم اللاذعة


أوديب مواطن سوري من تل الورد يمارس مهنة التعليم بحب وشغف كبير

تبدو عتبة عنوان رواية "الجحش السوري" لأسماء معيكل مربكة واستفزازية لتوقعات القارئ، الشيء الذي يولد في مستوى تلقيه الأولي الكثير من التساؤلات، والإجابات الملتبسة التي تقف وراء تشكلها المعطيات التاريخية السياسية، سواء المرتبطة منها ببداية حكم البعث، في ما يعرف بأبي عبدو الجحش، أو ما يتعلق بالمقاربة الأمنية الدموية الوحشية التي لجأ اليها النظام السياسي في الرد على انتفاضة وثورة الشعب السوري. وما ولّده هذا القمع والقتل النظامي من عصابات عدمية غاية في التوحش. بالإضافة الى ما تستحضره ذاكرة موسوعته – القارئ - الثقافية حول التحول أو المسخ كظاهرة إبداعية في تناول الأزمة الذاتية أو الموضوعية الاجتماعية التاريخية. 
لهذه الاعتبارات وسعيا لحسم العصف الذهني الذي تورط فيه القارئ في علاقته بالرواية، يجد نفسه، تحت وقع إغراءات الفضول المعرفي والإبداعي، أمام ضرورة ممارسة فعل القراءة، قصد إنتاج المعنى وتوليد الدلالات الكفيلة بإزالة الالتباسات التي شوشت توقعاته، وخلخلت فرضياته التأويلية.
ومع سيرورة القراءة يتبين لنا نوع من الترابط الجدلي بين النص والعنوان، ومدى القوة الدلالية والتعبيرية التي يشحن بها النص العنوان باعتبار التحول أو المسخ "الجحش" شكلا راقيا ومتميزا في مقاربة المأساة السورية، أي النظر إلى "مقاربة المسخ" في بعدها الإبداعي والتأويلي كأعلى مراحل التناول الفني الموضوعي للحدث السوري. هذا يعني أن مقاربة  سردية المأساة السورية باعتماد الخلفية الإبداعية، تفرض على الكاتبة نوعا من المسافة الفنية الجمالية التي تسمح بتوسيع زاوية المنظور، لرؤية جميع الوجوه المختلفة التي صاغت وأنتجت، عبر سيرورة المدة التاريخية الطويلة، النتائج المؤلمة للحدث السوري. وما كان لإمكانية المسافة الفنية والجمالية بخصائصها المعنوية والفكرية أن تتحقق إلا من خلال جدلية الخفاء/الإنسان والتجلي/الجحش التي تجسدت في عملية التحول أو المسخ التي عاشها أوديب كشخصية رئيسية في الرواية. 

لم يتم استثناء الحيوانات من عمليات الاغتصاب الجماعي، بطرق سادية عدوانية مسكونة بهستيرية احتفالية مرضية، يخجل الحيوان من القيام بها

متعة النص بين جدلية الخفاء والتجلي
من الصفحة الأولى يجد القارئ نفسه أمام شهادة/حكاية لها عمق رمزي مشحون بالكثير من التوترات الدلالية، إلى جانب الأسئلة التي تفجرها لعنة الاسم "أوديب" الحاضرة بقوة في الخلفية الثقافية المؤسسة لمستويات القراءة قبل وخلال تفاعلها مع الحكاية الغريبة والعجيبة التي يعدنا بها أوديب وهو يشهد على نفسه وعلى الآخرين، وعلى السلطة والمجتمع، في شهادة حارقة مؤلمة، وموشومة بعذابات التحول/المسخ التي وجد أوديب نفسه مكرها لا بطلا في خوض غمارها، وتجرع مرارتها، وخيباتها وانكساراتها، لُؤمها وبشاعة انحطاطها الإنساني. 
يقدم أوديب نفسه مواطنا سوريا من تل الورد/ سوريا، يمارس مهنة التعليم بحب وشغف كبير، خاصة في ارتباطه الجنوني بعلم الكيمياء دراسة وتدريسا، برفقة تلاميذه، بعيدا عن أي اهتمام بالشأن العام الاجتماعي، وتحديدا في بعده السياسي. لأن أوديب يعرف طبيعة النظام السياسي الهمجي والمتوحش الذي يحكم قبضته القهرية على الشعب، متحكما في كل حركاته وسكناته، زارعا الرعب ومختلف أشكال الخوف والإرهاب النفسي التي تطال جميع الناس. حيث الفرد متهم ولن تتم براءته إلا من خلال الولاء التام، والعبودية الخالصة للنظام الذي يتغذى على الموت، والتهديد بالموت." 
كثيرا ما سمعت عن اختفاء بعض الأشخاص الذين عرفوا بانتقاداتهم اللاذعة، بعضهم لم يعثر له على أثر، وبعضهم وجد مقتولا بحادث غريب، أغلب الظن أنه مدبر، فرجال الأمن مبثوثون في كل مكان، ولا تخفى عليهم خافية." ورغم حرص أوديب على عدم تورطه في أي نقاش اجتماعي سياسي، فإنه لم يسلم من شر الأجهزة الأمنية التي عذبته بطرق وحشية، وهي تسلخ عنه قيمته الإنسانية بتفكيك وجوده الفردي المستقل، والمس بهويته النرجسية التي تمنح لوجوده الذاتي معنى خاص. فقد وجد نفسه تحت وطأة التعذيب الهمجي مرغما على توقيع اتفاق التعاون الأمني الذي يلغي قيمته الإنسانية، ويقضي بشكل نهائي على مشروعه الوجودي المستقل كإنسان وممارس تربوي، مهووس وشغوف بعلم الكمياء. وهذا يعني بالنسبة له بصورة واضحة قبول وتقبل تحوله/مسخه إلى مجرد مخبر حقير، وأداة قذرة طيعة ومطيعة وعمياء، منزوعة الإرادة والقيمة والكرامة الإنسانية. لكن هذا التحول/المسخ القهري الذي حاول بطش السلطة الوحشية فرضه بعنف وإرهاب على أوديب دفعه إلى التفكير والبحث عن تحول إرادي خاص نابع من الذات في صراعها مع السلطة، من خلال استثمار علم الكيمياء وما يمكن أن يجود به من أدوات وإمكانات وفرص خوض الصراع، والبقاء المستقل، والنقيض لقيم وتوجهات سياسات النظام القهرية والعبودية في بطشه البشع بشعبه. 
هكذا وجد أوديب نفسه يبحث عن خلطة كميائية تمكنه من الاختفاء المؤقت كلما شعر بتهديد السلطة، حفاظا على كرامته ووجوده الخاص. ونتيجة ظروف وملابسات خارجة عن إرادة أوديب كقدر محتوم يؤدي مشروب الاختفاء الذي هيأه بعناية علمية إلى تحوله إلى جحش بشري، ظاهره حيواني، وباطنه إنساني على مستوى الأهواء والانفعالات والقدرة على التفكير واستعمال العقل. وبذلك عاش أوديب تجربة مؤلمة محفوفة بالعذابات والآلام، وبالكثير من المحن والمعاناة الرهيبة التي كانت تقض مضجعه، وتمزق إدراكه ونفسيته الإنسانية العميقة، وهو يشهد ويعيش كجحش بشري تجارب مرعبة، خلال تنقله من منطقة لأخرى شرقا وغربا، شمالا وجنوبا. فقد تعرض وعايش ورأى مختلف أشكال الشرور والبشاعات، ومختلف أنوع الدناءات والانحطاط العفن التي يترفع عنها التصرف والسلوك الحيواني. 
وفي هذا التحول الذي عاشه أوديب نتعرف معه عبر فصول الرواية على مختلف مناطق سوريا بتنوعها الإثني والطائفي والديني والعرقي والمذهبي والثقافي والجغرافي والأيكولوجي. يعري أوديب مختلف أوجه الحياة والعلاقات الاجتماعية، والتناقضات والصراعات الاجتماعية والسياسية المشحونة طائفيا ودينيا ومذهبيا وعرقيا...، داخل كل منطقة على حدة، أو في علاقاتها بالمناطق الأخرى. مبينا مختلف أشكال السلطة القهرية التي تؤسسها جدلية الحماية والإذعان السياسية والاجتماعية والدينية والثقافية بين الفئات المجتمعية، وبين الطوائف والمذاهب والإثنيات، وبين المناطق، في حضور وازن لسياسات النظام التي أعاقت النمو الطبيعي للتنوع والتعدد والاختلاف، كغنى وثراء وطني مُنمي للذات والأخر. وحولت البلد الذي كان جنة ورد وجمال ساحر أخاذ الى ساحة حرب وخراب ودمار، بأساليب وطرق تجاوزت  توحش الحيوان، وتوفقت على منطق وعلاقات الافتراس الحيواني.
متعة النص ومأساة حكايات أوديب تتحكم في شغف وجنون سيرورة القراءة وما يكتنفها من انفعالات وهواجس وأسئلة تتدفق باستمرار، كلما وضعنا أوديب في سياقات وبؤر تجاربه المريرة التي سمحت له بالوقوف على ما يؤسس لمختلف أوجه الرؤى والأفكار، والتصورات والمعتقدات التي تشتغل كموجهات إرشادية للتفاعلات والصراعات المحلية الخاصة بكل جهة، أو في بعدها الوطني بين كل مناطق تل الورد/ سوريا.
وفي هذا التحول/ المسخ الذي عاشه أوديب كهروب وانفصال عن الواقع نكتشف العمق الفني والجمالي للرواية التي جعلت من هذا المسخ تقنية وآلية فنية روائية تسمح بالتعرف عن قرب عن طريق آلية الباطن الإنساني على الواقع الحي في حقيقته الاجتماعية والسياسية والثقافية. ففي هذا التحول الذي يعني ظاهريا نوعا من الانفصال والهروب الخيالي الغرائبي من الواقع، هو في حقيقته الفنية العميقة يحمل معاني الارتباط بما يشكل العمق الخفي في الرؤى والأفكار والدلالات، وفي التصورات والمعتقدات، وفي مختلف مظاهر السلط السائدة والمحايثة للانتظام الاجتماعي الإنساني. وهذا ما يسمح أيضا بتعرية الكم الهائل من البشاعة، والتوحش الهمجي التي يخفيها ويتستر عليها مظهرنا البشري في اعتقاده الوهمي بتميزه عن الفعل والسلوك الحيواني في شراسته وافتراسه وانحطاطه الوجودي. 

novel
التوالد والتجاور الحكائي

"بقيت وحدي أتفكر فيما جرى بعد أن جفاني النوم، عذبتني صورة التاجر، التي لم تتزحزح من مخيلتي، مرميا على التراب معفرا بدمه، وكأنه بهيمة نافقة، وآلمتني أكثر قسوة الإنسان ضد أخيه الإنسان، وكيف له أن يقتل أخاه بدم بارد، ثم يأكل طعامه، ويشرب شرابه، ويبتهج بنهب ماله، وكأنه لم يأت على شيء يذكر... لم يكن التاجر عدوا لهم، كان يحابيهم ويقدم لهم كل ما يطلبونه، ومع ذلك غدروا به، وقتلوه ونهبوا قافلته، ثم تركوه مضرجا بدمائه.
وما كان لأوديب أن يتمكن من إدراك ووعي ومعرفة وعيش هذا العمق الخفي إلا من خلال آلية الظاهر الحيواني التي خولته نوعا من المسافة الحيادية النقدية في تعامله مع مختلف التناقضات والاختلافات والرؤى والصراعات التي عايشها وشاهدها ودفع ثمنها من نفسيته وفكره ولحمه الحي ليكتسب جدارة الإنسان في سعيه الدؤوب للولادة من جديد. 
"يبدو هذا الجحش غير طبيعي، ظاهره جحش، لكن باطنه شيء آخر والله أعلم... اقترب  الرجل مني بهدوء شديد، فلم أبدِ أي حركة، وأسلمت له قيادي، إذ أعجبني تخمينه بأن ظاهري شيء، وباطني شيء آخر، وهذا عين العقل. فباطني إنسان، وظاهري حيوان".  
بناء على هذه الآلية المزدوجة لجدلية الخفاء الإنساني، والتجلي الجحشي طاف بنا أوديب من خلال فصول الرواية، متنقلا عبر مختلف مناطق سورية لتكوين صورة شاملة ومتكاملة حول الحدث السوري في ثورته وحروبه، وما يخفيه من ترابطات وتفاعلات جد معقدة في الوعي والمعرفة، وفي التصورات والمعتقدات الدينية والخرافية الغيبية، وفي القهر والتسلط السياسي والقيمي والثقافي والديني، وفي العداء للقيم الإنسانية كالحرية والكرامة، والعدالة والتسامح، والحب والتقدير والاعتراف بالآخر، والحق في المساواة الأخلاقية الجندرية والاعتقادية، وحرية الضمير الديني والدنيوي. 
هذا ما نكتشفه مع أوديب في عرضه وتناوله الحكائي، بشكل ممتع خلاق مختلف خبايا الرؤى والأفكار والتصورات والمعتقدات التي تؤسس أسلوب الحياة والنمط الوجودي، لدى مختلف المكونات السوسيولوجية والثقافية التي تشكل المجتمع السوري، في تنوعه وتعدده واختلافه الطائفي والمذهبي والإثني واللغوي الثقافي، شيعة وسنة، مسلمون ومسيحيون، ودروز وعرب وأكراد.
يحاول أوديب أن يضعنا في الصورة الحقيقية لما يعتمل في داخل معرفة ووعي وممارسات، ورؤى وأفكار ومعتقدات...، كل هذه المكونات تبعا لحدود ومحدوديتها قبولها وتقبلها للآخر، ومدى استعدادها لعيش صيرورة التحول والتغيير المجتمعي. وما تحمله هذه المكونات السوسيولوجية والثقافية من قدرة على الحوار والتواصل وفق جدلية الانغلاق والانفتاح في علاقاتها على مستوى الذات والأخر والعالم. كما يكشف لنا الوجه الحقيقي المتوحش لكل هذه المكونات، وهي تتلبس قناع أو ظاهر الإنسان، بينما تخفي باطنها الهمجي الذي يتخطى بكثير توحش وشراسة علاقات الافتراس الحيواني. وهذا ما يمثله سلاخ الجحش/ الـ قداح، وذباح الوحش/ الـ جراح، من الشيعة إلى السنة، ومن الدروز إلى الأكراد...، معريا مناطق الظلال البشعة، المشحونة بالحقد والكراهية، والغارقة في العدوانية والتسلط والقهر. حيث أفسد النظام السياسي كل شيء، وعرض الإنسان لنوع من المسخ المرعب وهو يسلخ عن البشر قيمتهم الإنسانية ويحولهم في حقيقتهم الاجتماعية إلى وحوش قاتلة دون شفقة ولا رحمة، بأقنعة بشرية لا تكشف باطنهم الهمجي الحيواني، أي ما دون خط الحمير حسب التمييز البشري المتغطرس والمتعجرف. 
"ذبحوا الأطفال أمام عيون أمهاتهم المنكسرات، ولم يرأفوا بحالهن، وسيق كبار السن، والنساء إلى مقر القطعة العسكرية، وهناك قرر القائد إذلال الرجال أكثر فأكثر، فأمر بالتحرش بالنساء أمام ذويهم." 
وقد وضع أوديب بين أيدينا العشرات من الأفعال والممارسات القذرة التي مارستها جميع الأطراف، شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، بشكل متفاوت في التوحش والهمجية في حق الإنسان، بالمعنى الإنساني والأخلاقي المتعارف عليه في المواثيق والأعراف والاتفاقيات الدولية، كما طالت هذه الممارسات الحيوانية في مواقف مقززة في قمة البشاعة، الباعثة على الغثيان. حيث لم يتم استثناء الحيوانات من عمليات الاغتصاب الجماعي، بطرق سادية عدوانية مسكونة بهستيرية احتفالية مرضية، يخجل الحيوان من القيام بها. هذه الجوانب المظلمة والمقرفة والمروعة، من التوحش والإفلاس الإنساني، التي تناقشها الرواية بعمق التناول الفني للشكل الروائي، من خلال التوالد والتجاور الحكائي.