الجدل يحتدم في السعودية بين 'التكفير' وحرية التعبير

الشيخ البراك: أقوال أقرب للكفر والردة

الرياض - تطوّر الجدل الفكري في المملكة العربية السعودية بشأن فتوى الشيخ عبد الرحمن البراك التي أطلقها بحق مقالين صدرا في صحيفة "الرياض" السعودية، الأول بعنوان "إسلام النص وإسلام الصراع"، للكاتب عبدالله بن بجاد العتيبي، والثاني بعنوان "الآخر في ميزان الإسلام" للكاتب يوسف أبو الخيل، ودعا فيها إلى مساءلتهما عما ورد فيهما من أقوال قال إنها "أقرب للكفر والردة".
وبينما التزم الرسميون الصمت حيال دعوة الشيخ البراك؛ فقد أصدر عشرات من الكتاب والجامعيين بياناً حمل عنوان: "لا للتكفير، نعم لحرية التعبير"، أعربوا فيه عن رفضهم لتهمة التكفير، وحذّروا من خطورة الانصياع لهذه الفتاوى على مستقبل حرية التعبير في المملكة، وهو ما اعتبره عدد من العلماء "محاولة مكشوفة للتضليل والهروب من تحمل المسؤولية".
وقد حذر الكاتب والإعلامي السعودي قينان الغامدي، وهو أحد الموقعين على بيان المثقفين، من مغبة هذا التوجه نحو "تكفير أصحاب الرأي"، وقال "أعتقد أنّ فتوى الشيخ عبد الرحمن البراك تدقّ ناقوس الخطر بشأن مستقبل حرية الإعلام والرأي في المملكة العربية السعودية، وهو ما هدف إليه بيان المثقفين من ضرورة التنبه إلى خطورة هذا المسعى، لأنه مدخل لدعم المتشددين والإرهابيين والمتطرفين. وهو ما تحاربه الحكومة السعودية ونحن نتضامن معها في محاربة الإرهاب ونعتقد أن هذه الفتاوى تستخدم لذلك".
ونفى الغامدي أن يكون للشيخ البراك أي ارتباطات حزبية بتنظيمات متشددة في الداخل أو الخارج، لكنه قال "فئة العلماء في المملكة العربية السعودية فئة لها تأثير كبير، والشيخ عبد الرحمن البراك يعبِّر عما هو مقتنع به، ولا أعتقد أنّ له ارتباطات حزبية بأي تنظيمات متشددة، ولكنّ المتشددين في فكرهم الفقهي والديني يذهبون ضحية لهذه التنظيمات التي لها أهداف بعيدة عن الدين، ويستخدمون هذه الفتاوى لتبرير أعمالهم الإرهابية".
وانتقد الغامدي ما سماها "أحادية الرأي" لدى علماء المملكة، وقال "أعرف فكر مشايخنا، وأعرف أنهم متشددون في كثير من القضايا الفقهية، وهم يميلون إلى رأي واحد ويفرضونه على البقية، وهذه (النزعة) للأسف تُستَغل من طرف التنظيمات الحزبية".
لكنّ الباحث في الشؤون الإسلامية الدكتور عبد الله البراك، قلل من أهمية بيان المثقفين السعوديين المنتقدين لفتوى الشيخ عبد الرحمن البراك، واعتبره محاولة مكشوفة للهروب من تحمل المسؤولية. وقال الشيخ عبد الله البراك "أولاً الموقعون على البيان جلهم من الأسماء المجهولة باستثناء ثلاثة أو أربعة أسماء من الإعلاميين، ولا علاقة لهم بالبحث الأكاديمي، وكان يفترض أن يتم الردّ على فتوى الشيخ البراك بأسلوب علمي ومن طرف علماء. ثم إنّ بعض هؤلاء ينطلق من أرضية مخالفة لأرضية الشيخ البراك الفكرية، وبالتالي فالخلاف قائم في الأصل، كما أنّ بيان المثقفين خلا تماماً من النقاش العلمي، وكان من المفترض أن يطالبوا بمرجعية نحتكم إليها، وهي عندنا في المملكة العربية السعودية النظام الأساسي الذي أقر بحدود المحاكم الشرعية، فحرية التعبير المكفولة في السعودية وفي الدين الإسلامي لها ضوابط كما في كل بلدان العالم".
ونفى الشيخ عبد الله البراك أن تكون فتوى الشيخ البراك بشأن المقالين المذكورين فيها أي استحلال لدم كاتبيهما، وقال "لقد زعم البيان أن الشيخ البراك قد كفّر واستحلّ دماء كاتبي المقالين، والحقيقة أنّ الشيخ لم يقل ذلك، وإنما حكم على المقالات بأنها كفر وردّة، أما القائل فلم يقل عنه شيئاً، وهذا في المنطق الشرعي لا يعني تكفير الكاتبين، وإنما هو دعوة لأولي الأمر لمساءلة الكاتبين في ما كتبا واستتابتهما، وللإشارة فالفتوى غدت إجماعاً بين مختلف العلماء في المملكة العربية السعودية، وقد أصدر الشيخ صالح الفوزان عضو هيئة العلماء بياناً في ذلك وأرسله للصحف التي لم تنشره، فمن هو الذي يستبد بالرأي؟".
وعاب الشيخ عبد الله البراك على بيان المثقفين السعوديين أنه وصف العلماء بأنهم "من القرون الوسطى"، وقال "كان من المفترض على هؤلاء المثقفين أن لا يصنِّفوا مخالفيهم في الرأي بأنهم من القرون الوسطى، وأن يناقشوا آراءهم بعلمية وموضوعية لأنّ الإقرار بمخالفة مقالات لمسلّمات الدين وقواعد الشريعة خطأ وليست عصوراً وسطى. أما أن تُستغلّ آراء العلماء من قبل فئات ضالة فهذا لا يتحمّل مسؤوليته العلماء ولا يبرر الصمت على مخالفة البعض لمسلّمات الدين وقواعد الشريعة. وهي مقولة قالها المنافقون زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، وأعتقد أنّ صاحب الهوى لن يردعه قرآن ولا سنة، وهؤلاء الشذاذ كانوا موجودين على مدار التاريخ".
وكان عضو هيئة كبار العلماء، الشيخ صالح الفوزان، قد أصدر بياناً انتقد فيه "بيان المثقفين والكتاب السعوديين"، دون الإشارة إليهم بالإسم، وقال "صبرنا على طائفة من الكُتَّاب يتناولون رجال الحسبة ويتناولون الدعاة إلى الله لا لشيء إلا أنهم يقومون بواجبهم نحو دينهم وولاة أمرهم، ونحو وطنهم بتحصين المجتمع مما يخل بدينه أو بأمنه واستقراره".
واضاف قائلا "صبرنا وقلنا لعلهم يرجعون إلى صوابهم فالرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل. ولكن الأمر ازداد وطفح الكيل حتى تناول بعضهم العقيدة ، وقال إنّ كلمة: لا إله إلا الله لا تقتضي الكفر بالطاغوت ولا تبطل الأديان. وقال آخر: إنّ الإسلام لا يكفِّر من لا يدين به ومن لا يحاربه.
وتابع "ولما سُئل الشيخ عبد الرحمن البراك حفظه الله عن هذه المقالات وأجاب عنها وذكر أنّ هذه الأقوال ردّة عن دين الإسلام متبعاً في ذلك ما جاء في الكتاب والسنة وإجماع العلماء على أنّ من ارتكب ناقضاً من نواقض الإسلام مختاراً عالماً أنه يرتد عن دين الإسلام، وهذه المقالات تعتبر من نواقض الإسلام لأنها تسوي بين الكفر والإسلام".
وتابع الشيخ الفوزان "لما أجاب الشيخ من سأله عن هذا شنّعوا عليه وتناولوه بالذمّ، وحرّضوا عليه مع أنه لم يأت بشيء من عنده، فقد حكم الله بالردة على من تكلّم بكلمة الكفر جادّاً أو هازلاً، فكيف بمن يكتب المقالات الطويلة وينشرها على الملأ فيما هو أشدّ من ذلك".
ودعا الشيخ الفوزان الكاتبين إلى مراجعة أرائهما والإقرار بالخطأ بدل الاستمرار في الهجوم، وقال "بدل أن يندموا ويتوبوا مما كتبوا يكابرون ويريدون من العلماء أن لا يبيِّنوا الحكم الشرعي إذا سُئلوا عنه على الأقل. أيريدون أن يكتم العلماء العلم ويؤخروا البيان عن وقت الحاجة وقد قال الله تعالى: " ِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ" [البقرة: 159].
إنّ الذين حصل منهم الكلام الذي ارتدوا به عن دين الإسلام في عهد النبي صلى الله عليه وسلم إنما قالوه فيما بينهم ولم يعلم به إلاّ الله ولم يكتبوه وينشروه وإنما حضره واحد من المسلمين وبلغه النبي صلى الله عليه وسلم، ومع هذا فضحهم الله وأنزل فيهم قرآنا يتلى إلى يوم القيامة تحذيرا للمؤمنين من أن يقع منهم مثل ذلك، فكيف بمن كتب كلامه الفظيع ونشره في الصحف أو بثه في الفضائيات؟".(قدس برس)