الجزائريون مدعوون للتصويت على دستور يجهلون تفاصيله!

الساحة السياسية الجزائرية تبدو منقسمة أكثر من أي وقت مضى بين تحالف مقرب من السلطة كان داعما لبوتفليقة ومعارضة ترفض مشروعا ترى أنه يهدف إلى "دفن الحراك الشعبي المناهض للنظام".


محامو الجزائر يضربون احتجاجا على مضايقات تلاحقهم لرفضهم دعم تعديل الدستور


الشعب الجزائري مغيب في صياغة الدستور الجديد


السلطة تجادل بأن التعديلات الدستورية تؤسس للجمهورية الجديدة


المعارضة الجزائرية: التعديل الدستوري هدفه فقط حماية النظام

الجزائر - يفصل الجزائريين تقريبا شهر على أول استفتاء على تعديل الدستور بعد استقالة الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة، إلا أن المفارقة التي تعتبر من المبكيات المضحكات أن الجزائريين مدعوون للتصويت على تعديلات دستورية بالكاد يعرفون البعض من تفاصيلها فالغالبية العظمى لم تطلع على النص الذي صادق عليه البرلمان دون مناقشة في أوائل سبتمبر/أيلول.

وتثير التعديلات الدستورية التي تقول السلطة الحاكمة إنها تؤسس للجمهورية الجديدة ويعتبرها خصومها محاولة لاستنساخ النظام السابق بنواته الصلبة وبأساليبه المخادعة، انقسامات حتى في معسكر السلطة ذاتها.

وتبدو الساحة السياسية الجزائرية منقسمة أكثر من أي وقت مضى بين تحالف مقرب من السلطة كان داعما للرئيس السابق (بوتفليقة) ومعارضة ترفض مشروعا ترى أنه يهدف إلى "دفن الحراك الشعبي المناهض للنظام".

ومنذ توليه الرئاسة في ديسمبر/كانون الأول، تعهد الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون بمراجعة الدستور المفصل على مقاس سلفه عبدالعزيز بوتفليقة وطرح المشروع للاستفتاء الشعبي.

وقدمت لجنة من الخبراء عينها تبون في يناير/كانون الثاني 2020، نتائج عملها في مارس/اذار بعد سلسلة مشاورات مع الأحزاب والشخصيات المعروفة وبعض ممثلي المجتمع المدني.

ويقترح مشروع الدستور المعلن "تغييرا جذريا في أسلوب الحكم" من أجل التحضير لبناء "جزائر جديدة"، لكن الغالبية العظمى من الجزائريين الذين بالكاد يهتمون في الوقت الحالي بالموضوع، لا يعلمون تفاصيله وفي التفاصيل تكمن العلل التي عانى منها الجزائريون طيلة عقدين من حكم الفرد الواحد.

القمع لم يهدأ في الجزائر حتى بعد سقوط نظام بوتفليقة
القمع لم يهدأ في الجزائر حتى بعد سقوط نظام بوتفليقة

ويسيطر على الأغلبية في البرلمان حزبا جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي القوتان الرئيسيتان اللتان دعمتا بوتفليقة حتى أطاح به الحراك ودفعه للاستقالة في أبريل/نيسان 2019.

وتطالب الحركة الاحتجاجية السلمية بتغيير جذري "للنظام الحاكم" منذ الاستقلال عام 1962، مظاهرات الحراك توقفت منذ مارس/اذار بسبب ظهور وباء كوفيد-19 والقمع الذي طال نشطاءه.

واعتبر أبوالفضل بعجي الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني، أن مشروع التعديل الدستوري "يمثل نقلة نوعية لصالح ولادة جمهورية جديدة حيث يسود العدل والقانون والتوزيع العادل لثروات البلاد".

وهو اتجاه التجمع الوطني الديمقراطي نفسه الذي يعتزم المشاركة "بشكل فعال" في إنجاح الاستفتاء في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني، بحسب أمينه العام الطيب زيتوني.

وفي الجانب المعارض تحالف غير متجانس من الأحزاب والنقابات والجمعيات، بدوافع مختلفة: من الإسلاميين من حركة مجتمع السلم إلى ميثاق البديل الديمقراطي (ائتلاف داعم للحراك) ومعهم يساريون اشتراكيون وتروتسكيون إلى جانب المحامين والمدافعين عن حقوق الإنسان.

وبحسب المتحدث باسم حزب جبهة القوى الاشتراكية جمال بهلول، فإن السلطة "تواصل صياغة الدساتير من خلال اللجان الفنية أو الخبراء مع تجاهل الشعب"، مندّدا بما يقول إنه "انقلاب آخر على السيادة الشعبية".

وتطالب جبهة القوى الاشتراكية، أقدم حزب معارض في البلاد ومعها حزبان علمانيان، التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية وحزب العمال (تروتسكي) إلى انتخاب مجلس تأسيسي لصياغة الدستور الجديد.

إسلاميو الجزائر يعترضون على مادتين واحدة تنأى بالمساجد عن السياسة معتبرين أنها تكرس علمانية المسجد وأخرى تنص على أن الدولة تحمي المرأة من كل أشكال العنف

وبالنسبة إلى القيادي في حزب العمال رمضان تعزيبت الذي انتقد "تركيز السلطات في يد رئيس الجمهورية"، فإن "هذا التعديل الدستوري هدفه فقط حماية النظام".

وعبر عثمان معزوز المتحدث باسم التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية عن أسفه لأن "كل رئيس يصل إلى الحكم يحاول صياغة دستوره الخاص ليمنح نفسه المزيد من السلطة". وقال "ندعو الجزائريين إلى عدم المشاركة في التصويت" خلال الاستفتاء.

وقد قرر حزب حركة مجتمع السلم الحزب الإسلامي الرئيسي في الجزائر وأكبر قوة معارضة في البرلمان (34 نائبا من أصل 462)، المشاركة في الاستفتاء لكنه دعا إلى التصويت بـ"لا".

ويدعو هذا الحزب المقرب من الإخوان المسلمين أيضا إلى "تغيير النظام السياسي"، رافضا مشروع الدستور "العلماني" لوجود مواد مثل المادة 51 التي تنص على حرية العبادة وأن "تكفل الدولة حماية دور العبادة من أي تأثير سياسي أو أيديولوجي"، وهو ما يعني تكريس "علمانية المسجد".

أو المادة 40 التي تنص على أن "تحمي الدولة المرأة من كل أشكال العنف وفي كل الأماكن والظروف في الفضاء العمومي وفي المجالين المهني والخاص. ويضمن القانون استفادة الضحايا من هياكل الاستقبال ومن أنظمة التكفل ومن مساعدة قضائية".

لكن الحزب الإسلامي المعروف اختصارا بـ'حمس' لطالما صدرت عنه مواقف متناقضة من النظام ضمن تكتيك إعادة التموقع السياسي.

ويتناقض حديث السلطة عن تأسيس جمهورية جديدة تقطع مع ممارسات النظام السابق مع الواقع على الأرض حيث يسود مناخ من القمع وتكميم الأفواه وضرب الحريات وحيث يتعرض نشطاء الحراك الشعبي الذي تفجر أصلا من أجل هذه الأهداف، للاعتقال والمحاكمات.

وفي مؤشر آخر على الضغوط السياسية التي تمارسها السلطة على أكثر من جبهة، دخل المحامون الجزائريون الأربعاء في إضراب عام ليومين التزم به جميعهم وفق مصادر متطابقة، وذلك للاحتجاج على المضايقات التي تلاحقهم لرفضهم دعم مشروع الدستور.

وقرر الاتحاد الوطني لمنظمات المحامين وقف جميع الأنشطة تضامنا مع محامي العاصمة المضربين عن العمل منذ الأحد للمطالبة بـ"احترام الحق في الدفاع".

أجواء مشحونة على كافة الاصعدة تسبق استفتاء على تعديل الدستور الجزائري
أجواء مشحونة على كافة الاصعدة تسبق استفتاء على تعديل الدستور الجزائري

وقال المحامي عبدالوهاب شيتر إن "المحامين التزموا بقرارات الاتحاد الوطني"، موضحا أن الإضراب نجح "بنسبة مئة بالمئة في كامل البلاد". وأفادت وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية بتأجيل جميع المحاكمات المقررة الأربعاء.

ووفق شيتر المحامي والأستاذ المحاضر في كلية الحقوق بجامعة بجاية (شرق)، جاءت حركة الاحتجاج "في سياق استثنائي" يشهد "ايقافات تعسفية" ومشروع تعديل دستوري.

وأضاف "تريد السلطة إجبار الاتحاد الوطني لمنظمات المحامين على مساندة مشروع الدستور الجديد" وفي ظل "رفضه المساندة، ردّت السلطة بالضغط على المحامين".

وقرّر المحامون الإضراب ردا على حادثة وقعت مؤخرا وتعرّض خلالها نقيب منظمة محامي الجزائر العاصمة عبدالمجيد سيليني، وفق محتجّين، لـ"إهانة" من قبل قاض في محكمة الجزائر. وتلى ذلك اعتصام الأحد ثم إيقاف عمل المحامين في العاصمة.

وشرح شيتر أنه "من خلال اتخاذ إجراءات ضد المعارضين، عبر توظيف العدالة، تستعمل السلطة الجهاز القضائي في قمع جميع من يعارضون مشروع الدستور الجديد".

وواجهت السلطة الجزائرية حراكا شعبيا غير مسبوق بدأ في فبراير/شباط 2019 يطالب بتغيير عميق لـ"النظام". وعلقت أنشطة الحراك منذ مارس/بسبب الأزمة الصحية.