الجزائر تستبق موجة ترحيل مهاجرين بمبادرة لعودة مشروطة

المبادرة التي أعلن عنها تبون تستثني المتورطين في جرائم قتل والمتاجرة بالمخدرات والأسلحة، إضافة إلى من ثبت تعاونهم مع أجهزة أمنية أجنبية للإضرار بمصالح الجزائر.

الجزائر - تطرح مبادرة الرئيس الجزائري، عبدالمجيد تبون، الرامية إلى تسوية أوضاع الجزائريين المقيمين في الخارج بطريقة غير قانونية في حال عودتهم إلى البلاد، حزمة من التساؤلات الجوهرية حول توقيتها ودوافعها الحقيقية. فبينما تُقدّم كخطوة "إنسانية وطنية"، فإنها تصطدم بواقع داخلي يتسم بتراجع المؤشرات الاجتماعية، وأزمة دبلوماسية معقدة مع باريس، مما يجعل القراءة السياسية للمبادرة تتجاوز مجرد التدبير الإداري لوضعية المهاجرين.

وأقر الرئيس تبون بأن قطاعاً واسعاً من الشباب الجزائري يعيش في "فاقة وعوز" بعيداً عن ديارهم، محذراً من مخاطر انزلاقهم في أعمال مهينة أو استغلالهم في أنشطة وصفتها السلطة بأنها "معادية للجزائر" تهدف لتشويه صورة الدولة، وفقا لبيان حكومي.

ومع ذلك، رسمت المبادرة "خطوطاً حمراء" واضحة؛ حيث نصت صراحة على أن هذا الإجراء الاستثنائي لا يشمل المتورطين في جرائم إراقة الدماء، أو المتاجرة بالمخدرات والأسلحة، إضافة إلى من ثبت تعاونهم مع أجهزة أمنية أجنبية للإضرار بالمصالح الوطنية. هذا التمييز يعكس رغبة الدولة في استعادة أبنائها مع الحفاظ على يقظة أمنية مشددة تجاه أي حراك معارض من الخارج.

معضلة العودة: هل تملك بيئة الداخل مقومات الاحتواء؟

السؤال الأكثر إلحاحاً الذي يطرحه المحللون هو: إلى أي واقع سيعود هؤلاء؟ حيث تأتي المبادرة في ظل ضغوط اجتماعية غير مسبوقة؛ فالاقتصاد الوطني يواجه حالة من الركود يترافق مع تعثر للمشاريع الكبرى المشغلة، كما أن غياب الاستثمارات الأجنبية والمحلية المباشرة أدى إلى فجوة عميقة في سوق العمل، عجزت معها الدولة عن امتصاص آلاف الخريجين الجدد سنوياً.

وتشير تقارير إلى أن المواطن الجزائري يصارع تضخماً وندرة دورية في المواد الاستهلاكية الأساسية، مما يجعل خيار "العودة" بمثابة قفزة في المجهول لأفراد غامروا بكل شيء للهروب من ضيق الأفق المعيشي.

وتعتبر تحليلات أن حالة "الهشاشة" التي ترصدها السلطة في المهجر ليست إلا امتداداً لليأس القابع في الداخل، حيث لم تعد البطالة في الجزائر مجرد إحصائيات، بل تحولت إلى أزمة وجودية دفعت بآلاف الشباب نحو "قوارب الموت".

ويرى متابعون للشأن الجزائري أن المقلق في المشهد الراهن هو أن قوارب الهجرة لم تعد تحمل غير المتعلمين فقط، بل باتت ملاذاً للنخب الجامعية والكفاءات التي لم تجد في وطنها سوى عقود تشغيل مؤقتة تفتقر لأدنى معايير الاستقرار. هذا النزيف البشري يعكس، في جوهره، تآكلاً في الثقة تجاه الوعود الحكومية بالإصلاح، ويؤكد أن الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش ما زالت في اتساع.

 "الاحتواء الاستباقي" في وجه الترحيل القسري

سياسياً، لا يمكن فصل هذه المبادرة عن التوتر المتصاعد في العلاقات الجزائرية - الفرنسية. ففي الوقت الذي تتجه فيه باريس نحو تشديد قوانين الهجرة وفرض إجراءات ترحيل صارمة، تبدو خطوة تبون بمثابة "مناورة احتواء استباقية".

وتسعى الجزائر لانتزاع زمام المبادرة؛ فبدلاً من الظهور في موقف "المتلقي" لضغوط الإعادة القسرية الفرنسية، تقدم الدولة نفسها كجهة "راعية" تفتح ذراعيها لأبنائها ضمن "عفو وطني". وفي ذات الوقت، يظل استثناء "المتعاونين مع جهات أجنبية" مؤشراً على أن الهاجس الأمني من معارضة الخارج، التي تتخذ من باريس مقراً لها، لا يزال هو المحرك الأساسي لسياسة الدولة تجاه جاليتها.

ختاماً، تبقى المبادرة الرئاسية خطوة إيجابية في ظاهرها لتسوية الأوضاع القانونية، لكن فاعليتها على أرض الواقع تظل معلقة. فمن دون إصلاحات اقتصادية هيكلية، وخلق بيئة استثمارية شفافة تولد فرص عمل حقيقية، ستظل العودة خياراً "سهلا" على الورق، و"مستحيلاً" في الواقع، إذ لن يقبل الشاب، الذي يرى في الضفة الأخرى من المتوسط حلاّ لمشاكله، بالعودة إلا إذا وجد في وطنه أفقاً أرحب يصون كرامته ويضمن مستقبله.