الجنائية الدولية تعيد احياء ملف المطلوبين الليبيين للعدالة الدولية
لاهاي – أعادت مطالبة المحكمة الجنائية الدولية السلطات الليبية بتسليمها ثمانية مطلوبين يتقدمهم سيف الإسلام القذافي نجل الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي احياء الجدل حول ملف المطلوبين الليبيين للجنائية الدولية وهو ملف معقد ومتعدد الأوجه، ويعكس التحديات الجسيمة التي تواجهها ليبيا في مسارها نحو العدالة والاستقرار، وأهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه العدالة الدولية في هذا السياق.
ومع تطور النزاع في ليبيا، توسعت قائمة المطلوبين لتشمل قادة وأعضاء في ميليشيات وجماعات مسلحة مختلفة، من كلا الطرفين المتحاربين. ومن الأمثلة على ذلك، مطلوبون من ميليشيا "الكانيات" التي ارتكبت جرائم وحشية في ترهونة، وقياديون عسكريون آخرون مرتبطون بانتهاكات حقوق الإنسان.
ويأتي الطلب الجديد بعدما تردد من أنباء عن فرار مطلوبين للعدالة الدولية من السجون الليبية على إثر الاضطرابات الأمنية التي شهدتها العاصمة الليبية خلال مايو الماضي. ولم يتضح بعد ما إذا كان عدد من المطلوبين من روز النظام السابق قد فروا بالفعل، لكن في كل الحالات فإن طلب الجنائية الدولية ليس بالجديد فقد سبق لها أن طالبت السلطات الليبية بتسليمها شخصيات معينة ملاحقة بتهم تتعلق بجرائم حرب.
ويبقى اسم سيف الإسلام الأبرز من بين المطلوبين للجنائية الدولية، لكن المشهد يبدو معقدا بشكل يصعب معه القول إن السلطات الليبية قد تسلمه في ظل انقسامات سياسية وفوضى أمنية إلى جانب أنه يحظى بدعم وتأييد كبير من قبل شق واسع من الليبيين من الموالين للزعيم الليبي الراحل معمر القذافي. كما يشكل انخراطه في المشهد السياسي عقبة أخرى أمام أي عملية من هذا النوع.
وحتى الآن، لم تستجب ليبيا بشكل كامل لطلب تسليم سيف الإسلام القذافي، وتصر السلطات الليبية على محاكمته داخل البلاد. ومع ذلك، هناك ضغوط دولية مستمرة على الجانب الليبي للتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية.
وتوجد العديد من العراقيل التي تعترض تسليم سيف الإسلام القذافي للمحكمة الجنائية الدولية من أبرزها: الوضع السياسي والأمني في ليبيا التي لم تغادر حالة عدم الاستقرار السياسي والانقسام، مما يجعل من الصعب على السلطات الليبية المضي قدماً في إجراءات التسليم. وهناك حكومات وميليشيات متعددة تسيطر على مناطق مختلفة، وقد يكون سيف الإسلام تحت سيطرة جهة لا ترغب في تسليمه.
وترى بعض الجهات في ليبيا أن محاكمة سيف الإسلام داخل البلاد هي مسألة سيادة وطنية، وأن القضاء الليبي هو الأجدر بالنظر في قضيته. وسبق أن أصدرت محكمة ليبية حكماً بالإعدام غيابياً نجل القذافي، بينما تطالب المحكمة الجنائية الدولية بتقديمه للمحاكمة لديها، فيما يزيد هذا التضارب من تعقيد الموقف.
وتقول السلطات الليبية إنها قادرة على محاكمة سيف الإسلام بشكل عادل، وهو ما يطعن فيه مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، الذي يرى أن النظام القضائي الليبي يواجه تحديات كبيرة تمنعه من إجراء محاكمات عادلة تفي بالمعايير الدولية.
وتعرب منظمات حقوق الإنسان عن قلقها بشأن قدرة النظام القضائي الليبي على ضمان محاكمة عادلة لسيف الإسلام، خاصة في ظل الظروف الأمنية والقانونية غير المستقرة. وقد أشارت الأمم المتحدة إلى أن المحاكمات السابقة لأفراد نظام القذافي لم تلبِ المعايير الدولية للمحاكمة العادلة. وبسبب الانقسامات، لا توجد إرادة سياسية موحدة وواضحة بشأن تسليم سيف الإسلام، مما يعيق أي تقدم في هذا الملف.
وعلى الرغم من إعلان إطلاق سراحه في عام 2017 من قبل إحدى الكتائب، فإن مكانه لا يزال غير واضح بشكل كامل، وتنتشر شائعات حول اختبائه في الصحراء. وهذا يجعل عملية القبض عليه وتسليمه أكثر صعوبة.
وفي داخل ليبيا تطالب عدة جهات بإحالة رموز من النظام الليبي السابق يتقدمهم سيف الإسلام، إلى الجنائية الدولية. ومن بين تلك الجهات رابطة ضحايا مدينة ترهونة التي أيدت طلب الجنائية الدولية واعتبرته مقدمة لمحاسبة من وصفتهم بالمتورطين في جرائم حرب وانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان واعتبرت أن هذه الخطوة تخدم العدالة التي ينشدها ضحايا تلك الانتهاكات المزعومة.