الجنس والدين .. تعاليم ومحظورات

الأميركي داج أوستين اندشو في كتابه "الجنس والدين.. التعاليم والمحظورات في تاريخ الأديان" يؤكد أنه لا يوجد معيار يوضّح ارتباط الدين بالنشاط الجنسي البشري.


المشهد الديني ـ الجنسي يتميّز أكثر من أيّ شيء آخر بالتنوّع والتغيّر


الاختلافات الثقافية والإقليمية الضخمة تؤدّي إلى تعقيد الصورة داخل أي دين 

يتميّز المشهد الديني ـ الجنسي أكثر من أيّ شيء آخر بالتنوّع والتغيّر. ولكن إذا نظرنا عن كثب إلى الأوامر والمحظورات المقدّسة فيما يتعلّق بعضها ببعض والمراسيم الدينية الأخرى، يتبيّن أن التغييرات غالبًا ما تنطوي على كثير من الأوامر أو المحظورات التي يتم تحديثها باستمرار أو خفض تصنيفها ومستواها ورتبتها فيما يتعلّق بالآخرين. غالبًا ما يختار كلّ من المؤمنين العاديين والزعماء الدينيين، صراحةً أو ضمنيًّا، تجاهل بعض القواعد الدينية الواضحة والمطلقة عندما يشعرون أنّ الأوامر الزجرية والمحظورات الأخرى أكثر أهمّية. قد تُنحى التعاليم الدينية الجنسية جانبًا من أجل الترويج لأنواع أخرى من التعاليم، أو قد يتمّ منحها الأولوية على حساب القواعد الدينية الجنسية الأخرى.
انطلاقا من هذه الرؤية يتتبع الأكاديمي الأميركي المتخصص في الدراسات الدينية والجندرية داج أوستين إندشو في كتابه "الجنس والدين.. التعاليم والمحظورات في تاريخ الأديان" ثنائية الجنس والدين مرتكزا بشكل خاصّ على اليهودية والمسيحية والإسلام والهندوسية والبوذية، والأساطير القديمة، والأقوال الفقهية، والموادّ التاريخية، والدراسات الاستقصائية عن السلوك الجنسيّ.
يفتتح إندشو كتابه الصادر عن دار صفصافة بترجمة مرضي زنباع بقصة هيبوليتوس الشاب الذي لا يقدر الجنس، ويتجنّب ممارسة الحبّ في الفراش، ولا يريد أن يفعل شيئًا بالزواج. مستمتعا بالركض وراء الوحوش البرّية لصيدِها في الغابات حول مدينة تروزين اليونانية في العصر البرونزيّ. ويقول "هذا ما جعل أفروديت، إلهة الشبق والحبّ الجسديّ، تكره هيبوليتوس. 
ومن خلال تفضيله الحياة في البراري على ممارسة الحبّ في الفراش، تبيّن أنّ الشابّ وإلهة الحبّ لا يتبادلان الاهتمام نفسه، واعتبرها أسوأ الآلهة. ولكنّ أفروديت لن تسمح لهيبوليتوس بالإفلات من العقاب لتجاهله الحياة الجنسية، كونها إلهة الحبّ والجمال. وانتهى الأمر بالشابّ الوسيم جثة مشوّهة ملقاة من عربته الحربية بعد أن ارتعبت خيولُه من وحش أرسلته الآلهة إلى هذا الغرض ذاته".

تجاهل بعض المحظورات والأوامر الزجرية بشدة في فترات معينة، بينما في أوقات أخرى تعدّ المحظورات والأوامر الزجرية من بين أكثر العناصر حيوية في منظور العالم المتديّن

ويشير إندشو إلى أن هذه القصة ليست مجرد قصة رائعة من عالم الأساطير اليونانية. إذ يعكس مصير هيبوليتوس قناعة دينية أصيلة مُفادها أنّ الآلهة لم ترغب فقط بل طالبت - أيضًا - بأن نكون نشطين جنسيًّا. أو بإيجاز، فإنّ الامتناع عن ممارسة الجنس كان أمرًا مَشينًا.
ويضيف "لا تتوافق قصة هيبوليتوس وأفروديت مع الصورة المعتادة لدينا عن العلاقة بين الجنس والدين. ويمكن لعناوين الأخبار اليوم أن تعطيَ بكلّ سهولة انطباعًا بأنّ الأديان تولي اهتمامًا بالجنس أكثرَ من أيّ وقت مضى، ولكنّ الصورة تبدو تقريبًا عكس الصورة الواردة في قصة هيبوليتوس. عادة ما يُنظر إلى معظم الأديان على أنّها تعارض الجنس وتستنكر ممارسته مع الأشخاص الخطأ، بالطريقة الخاطئة، في الوقت الخطأ، وفي المكان الخطأ. وما يثير غضب الأديان هو أنّ الجنس كُتب عنه الكثير ولغط فيه الكثيرون؛ وما زاد الطين بِلّة هو أنّ ما كُتب عن الجنس؛ كُتب بطريقة خاطئة وما قيل عنه؛ قيل بطريقة خاطئة. وغالبًا ما يكون الاستنكار مطلقًا حتى إنّ الكثير من الأفراد يتكوّن لديهم انطباعٌ بأنّ الدين يرفضُ أشكال الجنس تمامًا كافة.
وتساءل اندشو: كيف يمكن أن تستنكر الأديان فِعل الأشخاص الذين يمتنعون عن ممارسة الجنس، بينما تستنكر أديان أخرى فِعل غالبية الأشخاص الذين يمارسون الجنس؟ يقول "لا توجد إجابة بسيطة عن السؤال، رغم أنّ السؤال المطروح في حدّ ذاته بسيطًا للغاية. حتّى الديانة اليونانية القديمة لكلّ من هيبوليتوس وأفروديت لم تحض على قبول أشكال النشاط الجنسي جميعها، وإن لم يتبع الفرد سلسلة كاملة من القواعد المعقّدة فيما يتعلّق بنوع الجنس المقبول دينيًّا، فإنّ العواقب ستكون خطيرة للغاية. ورغم أنّ مصير هيبوليتوس المأساوي يعكس معتقداتٍ دينية مهمّة في اليونان القديمة، إلا أنّه ليس أكثر من جزء من اللغز المعقّد الذي يشكّل صورة العلاقة بين الجنس وهذا الدين بعينه".
ويرى أن التركيز أحادي الجانب على المعارضة الدينية لمختلف أشكال الجنس لا يجعل من السهل التمييز بين الفروق الطفيفة جدًا. فلا يسعنا إلا أن نرى أنّ الكثير من الاستنكار يعني ضمنًا في الوقت نفسه أنّ الدين يبارك الجنس – بالطبع طالما أنه جنس من النوع "الصحيح". وتسير إدانة الجنس ومباركته جنبًا إلى جنب. عند النظر إلى العلاقة بين الجنس وكلّ دين بعينه، يكون من المهمّ التركيز على المكان الذي تمتدُّ فيه الحدود الفاصلة بين ما هو مقبولٌ وما هو مرفوض، وما هو مقدّس وما هو مستنكَر.
ويلفت إلى أن التنوّع غير المعقول والأساليب الجنسية الدينية المعقّدة التي نجدها في جميع المجتمعات قد تشكّلت وتطوّرت أثناء عملية ثقافية دينية معقّدة. ولا يوجد معيارٌ واحدٌ يوضّح كيفية ارتباط الدين بالنشاط الجنسي البشري؛ فإنّ شكلًا من أشكال الجنس الذي يقبله دين ما كمثل أعلى أو بوصفه مقدّسًا من المقدّسات قد يكون مرفوضًا لدى دين آخر إذ إنّه رجسٌ. ولكنّ كلَّ هذه الأنماط تشترك في شيء واحد؛ أنّ أيًّا من أنماط النشاط الجنسي التي تدعو إليها الأديان المختلفة لا يمثّل قيدًا طبيعيًّا على الجنس. فما نتعامل معه في كلّ حالة هو بناء ثقافي.
أيضا يتساءل اندشو عن حدود الدين في الواقع. ويرى أنه بالنسبة للعديد من الأشخاص المتدينين، وخاصة اليوم، لا يدخل الجنس ضمن ما يعتبرونه دينًا. ومع ذلك، هناك آخرون يرون أن بعض القواعد المتعلّقة بالجنس أمرٌ أساسيٌّ لدينهم، بينما تعتبر القواعد الأخرى مقرّرة من الناحية الثقافية. وهناك أشياء بدأت كأوامر زجرية ومحظورات دينية وسرعان ما تمّ استيعابها وأصبحت الآن طبيعية. وحتى عندما يعرّف المتدينون كل حياتهم الجنسية أو جزءًا منها بأنه خارج نطاق الدين تمامًا، فإن مواقفهم من الجنس ستظل مع ذلك ذات صلة بدراسة الجنس والدين لمجرد أن هؤلاء الأشخاص ما زالوا يعدُّون أنفسهم متديّنين. 
ويوضح أن الاختلافات الثقافية والإقليمية الضخمة تؤدّي إلى تعقيد الصورة داخل أي دين معين وبين العقائد المختلفة. في منطقة البحر الأبيض المتوسط بأكملها، مثلا، هناك نمط تقليدي شائع في الأمور الجنسية، حيث يمكن للرجال، تقريبًا، فعل ما يحلو لهم بينما يخضع نشاط النساء الجنسيّ إلى رقابة صارمة. ويسود هذا النمط نفسه سواء كنّا نتحدّث عن المسيحية أو اليهودية أو الإسلام أو الديانات الأخرى. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو ما إذا كانت هذه مسألة دينية أم ثقافية أم كليهما. ونظرًا لأنّ هذا هو النمط العام الذي استمرّ آلاف السنين وأثناء كثير من التغييرات الدينية، يكون هناك سبب وجيه للاعتقاد بأنّ هذا النمط يمثّل سمةً ثقافية أصولية تتجاوز الدين. ولكن إذا سألت الأفراد المسيحيين أو اليهود أو المسلمين عن ذلك، فمن المرجّح أن تحصل على إجابات مختلفة. وعلى الرغم من أنّ قلّة قليلة منهم قد تجادل بأنّ هناك تفسيرًا دينيًا يسمح للرجال بفعل بما يحلو لهم عامّة، فإنّ معظمهم سيرون أن الرقابة الصارمة على الحياة الجنسية للإناث ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالمعتقدات الدينية. فبمجرد أن يصبح هذا النمط مقبولًا في دين معيّن، يصبح جزءًا منه.

الدين والجنس
داج أوستين اندشو

ويواصل اندشو "هناك بعض الدول، لأسباب دينية، تحاول فرض قيود صارمة على السلوك الجنسي لمواطنيها. وحتمًا سيؤثر ذلك على درجة التزام المواطنين بالقواعد الدينية التقليدية التي تحكم السلوك الجنسي. ورغم أنّ عددًا متزايدًا من الدول يسمح للمواطنين باتخاذ خياراتهم الخاصّة بالأمور الجنسية، إلا أنّ السلطة الفعلية للدولة على فرض الضوابط قد ازدادت لأنّ مؤسّساتها وأجهزتها أصبحت أكثر توغّلًا وفاعليّة. وعامّة، يبدو أنّ الأوامر الزجرية والمحظورات الدينية كانت أكثر صرامة في الماضي ممّا هي عليه الآن، ولكنّ السلطات الدينية وسلطات الدولة كانت تتمتّع بقوة أقلّ بكثير فيما يخصّ ضمان الالتزام بها".
ويضيف "في أجزاء أخرى من العالم، يمكننا أن نجد أنماطًا ثقافية تتخطّى الحدود الدينية؛ حيث توجد قواسم مشتركة بين أنماط السلوك الجنسي لدى الشباب اليهود والمسيحيين والمسلمين في نيويورك أو برلين وبين أنماط السلوك الجنسي للشباب المعتنقين للديانات ذاتها في قرى ولاية كيرالا أو إثيوبيا، حيث تلعب العوامل الاقتصادية وغيرها من العوامل غير الدينية دورًا بارزًا. فمن الواضح أن مستويات الرقابة الاجتماعية والدينية تختلف اختلافًا كبيرًا بين الأماكن التي يمكن فيها للفرد الأعزب أن يحيا ويعمل بشكل مستقلّ وبين الأماكن التي يعني فيها رفض المرء من قبل عائلته دمارًا اقتصاديًا واجتماعيًا له. فالأسرة النووية الصغيرة والمستقلّة اقتصاديًّا والقادرة على الانتقال إلى جزء آخر من البلاد تهيّئ للفرد مجموعة مختلفة تمامًا من الظروف على العكس من الأسرة الكبيرة التي وإن كنت فيها شخصًا بالغًا لا يمكنك الإفلات من التحقيق والمساءلة من جانب الآباء والأمهات والعمّات والأعمام. 
إن العوامل من هذا النوع هي التي تفسّر لماذا يعيش الكثير من المسلمين والهندوس وَفقًا للقواعد الدينية الجنسية التقليدية مقارنة بالمسيحيين واليهود؛ إذ أن عددًا أقل من المسلمين والهندوس يعيشون في مجتمعات يُتاح فيها للأفراد فرصة الاستقلال عن أسرهم في ظل مجموعة من العلاقات الاجتماعية محكمة النسج والتماسك. وبصعوبة يوجد أو لا يوجد أيّ شيء في هذه الديانات نفسها يعلّل هذه الاختلافات الإحصائية الكبرى".
يعكس كلُّ فصل من فصول الكتاب العشرة بعضًا من أكثر الجوانب التي تتّسم بوجود إشكالية في العلاقة بين الجنس والدين، فيبحث الأول في تعريفات الجنس والدين؛ حيث يرى اندشو أن المفاهيم الدينية تختلف وتتنوّع حول ماهية الجنس في الواقع على نطاق واسع. إنه ليس بأيّ حال من الأحوال تصنيف يمكن تعريفه بشكل طبيعي. فأمّا ما يتعلّق بالمسلمين المحافظين بشدة في طالبان، فإنّ المرأة التي تُظهر كاحليها ترتكب جريمة جنسية تستحقُّ العقاب، وأمّا ما يتعلّق ببعض الأوساط المسيحية، لا يعتقد الشباب غير المتزوّجين الذين يمارسون الاستمناء المتبادل أنّهم يمارسون الجنس. يختلف تعريف ما يُمكن اعتباره جنسيًّا من مجموعة إلى أخرى من أصحاب العقائد، ممّا يوضّح مرة أخرى أنّ فهمَنا للجنس هو في الأساس بناء ثقافي.
ويتناول الثاني المثالية الدينية للامتناع المطلق عن ممارسة الجنس، لنرى أنّ كثيرًا من أصحاب العقائد لا يعتقدون أننا يجب أن نمارس الجنس على الإطلاق. فيما الفصل الثالث يتناول الاستمتاع الذاتيّ أو الجنس أحاديّ الجانب. ويناقش الرابع المغايرة الجنسية والاختلافات بينها وبين الاتجاهات الدينية حولها. ويتطرق الخامس للمِثلية الجنسية، لافتا إلى أنّ كثيرًا من الأديان الحالية تركّز جُلّ اهتمامِها تقريبًا في إدانتها للمِثلية الجنسية، ولكنّ هناك أديانًا أخرى ترى أنّ ممارسة الجنس بين أشخاص من الجنس نفسه لا يثيرُ أيَّ مشكلة أو أنّه شيء مقدّس أو على الأقلّ أسمى من المغايرة الجنسية. ولكن المثلية الجنسية في حدّ ذاتها ليست تصنيفًا مباشرًا؛ فالكثيرُ من الأديان تقبل بعض أشكال المثلية الجنسية بشكل طبيعي بالقَدرِ الذي تدين به الأشكال الأخرى في الوقت نفسه.
وتتواصل فصول الكتاب الذي يختتم بدراسة الأولويات الدينية الجنسية، مؤكدا أنه قد تزيد أو تقلّ المحظورات والأوامر الزجرية المختلفة فيما يتعلق بعضها ببعض وفيما يتعلّق بالجوانب الأخرى من الدين. لأنّه، مثلا، يجب تجاهل بعض المحظورات والأوامر الزجرية بشدة في فترات معينة بينما في أوقات أخرى تعدّ المحظورات والأوامر الزجرية أنفسهما من بين أكثر العناصر حيوية في منظور العالم المتديّن.