الجيلاني يرفض موت أبيه: أحمد نشم فارس تهامة وإرثها الباقي

علوان مهدي الجيلاني من أبرز شعراء التسعينيات في اليمن، بل هو عراب هذا الجيل من خلال دارساته النقدية الكثيرة وتقديماته لمجموعات زملائه.


نصوص المجموعة تستغني - عدا النص الأخير - عن العنونة وتكتفي بالترقيم


علاقة الجيلاني بأبيه لم تكن مجرد علاقة ابن بأبيه

يعتبر الشاعر علوان مهدي الجيلاني من أبرز شعراء التسعينيات فى اليمن، بل هو عراب الجيل التسعيني من خلال دارساته النقدية الكثيرة وتقديماته لمجموعات زملائه، وقد أصدر كتابين نقديين عنهم هما "أصوات متجاورة" و"مفاتيح الأدراج" وللجيلاني اشتغالات أخرى واسعة على التصوف الإسلامي في اليمن والتراث الشفاهي اليمني والتحقيق والبرامج الشعرية في التلفزيون.
أصدر الجيلاني عدة مجموعات شعرية هي "الوردة تفتح سرتها"، "راتب الألفة"، "اشراقات الولد الناسي"، "غناء في مقام البعد"، "كتاب الجنة" و"يد في الفراغ" ثم أخيراً مجموعته الجديدة "أحمد نَشِم أزمنة الفارس ومآثره" التي صدرت في القاهرة عن مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر، وتضم نصوصاً شعرية تُعنى بتجربة الموت وتبدلات المصائر وتأثير الموت في الوجود الإنساني بوصفه حالة سالبة وقد كتب الشاعر قصائد المجموعة إثر رحيل والده.  
وفي الحوار التالي سنحاول تبيّن أفق التجربة ومرتاداتها ومدى اختلافها عن تجارب الشاعر السابقة.
بداية حدثنا عن تجربته الشعرية الجديدة "أحمد نشم أزمنة الفارس ومآثره" بدءاً من التسمية، قال: أحمد هو أبي أما النشم فهو لقب له، والنشم هو نوع من الشجر صلب العيدان كانت تتخذ منه القسيّ والرماح قديما، وفي بلادنا تهامة "غرب اليمن" تتخذ منه "المواهر" و"الميهر" عصاً طويلة قوية وشديدة الصلابة، وقد شبه بها أبي كثيراً بسبب قوته البدنية وقوة شخصيته وشكيمته وهيبته حتى صارت لقباً له وعند كتابة  نصوص هذا العمل الذي توزعته الشهور التالية لرحيله في منتصف يناير/كانون الثاني 2018، حضر هذا المعنى كثيراً، استدعته النوستالجيا، واستدعته التأبينات والرثاءات، فكان لا بد أن يحضر أيضا في أول عتبات النصوص.
تجليات المجتمع التهامي

يقول أسمعني قصيدة البردوني تلك وأعرف أنه يقصد "وردة من دم المتنبي" أو يطلب مني أن أسمعه شعراً لبكير أو الأعمى أو ثواب أو ماطر من الشعراء الشعبيين

تستغني نصوص المجموعة كلها عدا النص الأخير عن العنونة وتكتفي بالترقيم، وقد علل الجيلاني ذلك أن نصوص المجموعة كلها تكاد تكون نصاً واحداً، فالقاسم المشترك بينها جميعاً الاشتغال السِّيَري، حيث ترتسم لوحات من حياة "أحمد نشم" الذي كان فارساً جيد الرمي، شجاعاً حاضراً بقوة في حياة مجتمعه بأبوة طاغية، وتاريخ التحام استثنائي بالأرض زارعاً وخبيراً بالمواسم والمساقي وأنواع الزروع والحرث، خبيراً بالدواب من خيل وجمال وثيران وحمير وأغنام، إضافة إلى قيوميته على المآثر الاجتماعية من خلال مكانته بوصفه شيخاً، لكن بطريقته الخاصة ترصد السيرة أيضاً علاقاته الوسعة بمحيطه وشهرته بالانحياز للمقهورين والمحبين إلى آخره.
هناك معجم كامل من الألفاظ الخاصة غير المألوفة ترد في النصوص، الأمر الذي يطرح تساؤلا حول القارئ ورؤية الشاعر، وهنا أشار الجيلاني موضحا: حين كتبت النصوص لم أكن أفكر في أحد غير أبي، كان استغوار عوالمه واستحضار شجونه يفرض استحضار الكثير من المفردات والتسميات الخاصة في المجتمع التهامي منها ما يتعلق بالبيئة وجيراننا فيها، ومنها ما يتعلق بتصوراتي الخاصة عنه، ومنها ما هو ثقافي محلي محض، ذكر تلك التسميات والمفردات كان جزءاً من الهيجان العاطفي الذي عشته نتيجة رحيل أبي وأنا بعيد عنه، وهي أعني تلك المفردات والتسميات تفسرها سياقاتها الواردة فيها، لذلك ستلاحظ أنني لم ألجأ  للهوامش إلا لتوضيح ما هو ضروري جداً. 
علاقة إنسانية وثقافية
من الواضح أيضاً أن علاقة الجيلاني بأبيه لم تكن مجرد علاقة ابن بأبيه حيث جاء مستوى العلاقة فوق المستوى العادي، وهو الأمر الذي أكده قائلا: بالتأكيد نحن أسرة كبيرة ولدي عدد ضخم من الإخوة والأخوات أشقاء وغير أشقاء، لم يحظ أبي بالتعليم، حرم منه نتيجة احتياج جدي له ليكون إلى جانبه في إدارة أراضيه الكثيرة ومواشيه وليسانده في وجاهته ومشيخته، كان أبي يتحسر دائماً على هذا، ويقول كان في استطاعتي أن أدرس في مصر أو في أوروبا على نفقة جدكم، لذلك حاول هو التعويض من خلالنا أنا وإخوتي، كان حريصاً عل تعليم أبنائه. المميز في حالتي أني ما أن ختمت القرآن في المعلامة "الكتاب" حتى أصابني شغف الكتب، شغف المعرفة والقراءة، ووجدني أبي مذ كنت طفلاً أشاركه سماع الإذاعات، أترك اللعب مع الأطفال وأحضر مجالسه التي عادة ما تكون حافلة بالنقاشات خاصة حين يحضرها من هم على قدر من العلم والمعرفة. هذا جعله يولع بي ويعتني بتلبية احتياجاتي من الكتب والمجلات عناية خاصة. 
صورة الغلاف
إن الصورة التي على غلاف الكتاب مقتطعة من صورة تجمعني به تم التقاطها يوم 15 يناير/كانون الثاني عام 1984، لقد فاتتني الرحلة المدرسية إلى الحديدة، حيث كان يجب أن أتصور لأجل الشهادة الابتدائية، وكنت مريضاً بالملاريا، بعد أن شفيت أخذني أبي معه إلى المدينة، كانت لديه مشاغل في المحافظة قضاها ثم أخذني إلى الاستوديو، وهناك التقطنا هذه الصورة معاً، وتصورت لأجل الشهادة، بعدها أخذني إلى مكتبة الثقافة في "المطراق"، وطلب مني أن أختار من الكتب ما أريد، ووقف مبتسماً في زاوية المكتبة يتفرج عليّ، رحت أنقي وأختار وأقلب بلهفة، أخذت سبعة من كتب العقاد، وخمس روايات لنجيب محفوظ وديوان وجوه دخانية لعبدالله البردوني وكليلة ودمنه لابن المقفع، و"شيء من الخوف" لثروت أباظة، و"البيت الصامت" لمحمد عبدالحليم عبدالله، وديوان "هكذا أحبها" لمحمد الشرفي، ثم أخذت مجلات الهلال والعربي والدوحة والمختار من دايجست، ومجلة المجلة، والحوادث، وألوان والموعد والنهضة واليقظة، والمصور وآخر ساعة والكواكب. دفع قيمتها وخرجت أحمل غنيمتي، أما هو فقد كان يقطر فرحاً وبهجة، على هذا النحو ظل يتعهدني، مثلاً كان من عاداته أن يسهر طوال الليل برفقة الراديو، يلفت نظره حوار كاتب كبير أو برنامج عن المتنبي مثلاً، أو سهرة لأم كلثوم أو فيروز، يترك مكانه ويأتي ليوقظني كي أشاركه متعة السهر والتلقي، وظل حتى وفاته كلما اتصلت به يقول أسمعني قصيدة البردوني تلك وأعرف أنه يقصد "وردة من دم المتنبي" أو يطلب مني أن أسمعه شعراً لبكير أو الأعمى أو ثواب أو ماطر من الشعراء الشعبيين الذين وثقت أشعارهم في تهامة. بالجملة علاقتي به أكبر من كل ذلك، فقد كان من ذلك النوع من الآباء الذين يجمعون في شخصياتهم دنيا واسعة من الصفات العظيمة، أب لا تملك إلا أن تعجب به وتحبه وتفتخر به.  

من الشعر اليمني
نصحو وننام بلا حواس 

تراث "المُعْزى"
في نصوص الديوان يرفض الجيلاني موت أبيه ويتنكره، ويعلل ذلك لافتا: كان يعيش معي، كنت أراه وأحدثه وكان صديقي الشاعر أحمد عباس وهو يساكنني في نفس الشقة بالقاهرة يقول لي هذا ضرب من الجنون، يبدو أن لوثة أصابتك بسبب موت أبيك، ببساطة حضور الموت استدعى الحياة، استدعى أن نتحول أنا وأبي من علاقة الأبوة والبنوة إلى علاقة الصداقة، تجولنا كثيراً في ليالي القاهرة وكتبنا النصوص معاً، كان لا بد من حضوره كي يحكي أزمنته ومآثره بنفسه الحياة هنا تنتصر على الموت. وكل ذلك ألقى بظلاله على النصوص فجاءت في أسلوب مختلف على المستوى الفني. فقد استفادت الكتابة من تراث "المُعْزى". ثمة تقليد في تهامة يقتضي أن تعزي (تنوح) النساء على موتاهن أياماً طويلة قبل شروق الشمس، "المعزى" يكون شعراً باكياً تُستدعى فيه مآثر الميت من خلال علاقته بالموجودات في الطبيعة مثل الجبال والسهول والبحار والوديان، السيول والأمطار والزراعة والأرض، ومن خلال حضوره الاجتماعي والأسري وصفاته النفسية والانسانية وأثره فيمن حوله مجموعة "أحمد نشم أزمنة الفارس ومآثره" تشتغل أساساً من خلال هذا الفن الإبداعي الذي تتفرد به تهامة وبعض مناطق اليمن الأخرى مثل عدن. وهو تراث عريق وقديم فيه ميول أسطورية وطوطمية، وفيه محاولات لتقديم الموت بوصفه الاستثناء الوحيد الذي ينتصر على الانسان، استفادت النصوص من تقنية المعزى وعكست الوضع فيما يتعلق بالموت إذ قدمته مرفوضاً ومهزوماً من خلال تحويل الأب إلى كتاب، ليبدأ رحلة حية في صفحاته. طبعا في النصوص كما صرحت بذلك مراراً اتكاء كثير على مفردات المكان، حيث البيئة الصوفية والامتلاء بالموروثات الدينية والشعبية.  
ويشير الجيلاني إلى حضور "القاهرة" بمفرداتها من أمكنة وشوارع ومقاه ومزارات وحضرات صوفية وأماكن سهر وأصدقاء حاضرة بشكل يوازي تماما حضور "تهامة" فهي المكان الذي شهد حالات استعادة الأب ورفقته من جديد .. تبدو لي حيلة مميزة كلما تأملتها الآن. 
من نصوص المجموعة :
وحدك الآن 
مع قاتك وحكاياتك 
وحدك مع نسائك الأخريات 
وملائكتك البيض 
وحدك مع أغنية فائتة وعيون تتلمس ضوء يديك
وحدك مع ما جلبته من تاريخك 
دون نسيان ولا عتمات تقاطع شمسك 
وحدك في مَنْزِلَةٍ  وكَراسٍ وجنان خضراء
وحدك يا أبي تطارد ليلنا بزياراتك الحانية 
تتفقد الدموع المتجمدة في الوجنات
توزع فواكهك على أكفنا الكثيرة 
تحتفي بضحكاتنا الساذجة 
تضع على رؤوس أطفالنا كوافيك الخيزران 
آه يا أبي
سرحت الخيول 
لا سباق بعد اليوم ولا صيد 
لا وقار في المَقِيْلُ  
ولا زلازل يتراكض لها المكان
كل شيء يتبدل 
تتلاشى أبهة الوقت وهيلمانه
نصحو وننام بلا حواس 
وبلا توقيتات ملهمة.